الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦366 الفتاوى العقيدة
فمن ذلك إذا قَرَأَ الإنسان قَوْلَ الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِن اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] .. ماذا عَسى أن يقول إن جَمَدَ على ظَواهِرِ الألفاظ، ففي أَوَّل هذه العبارة نَفْي الرّمي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي وَسَطِها إِثْبات الرَّمْي له وفي آخِرِها إِسنادُ الرَّمْي إلى الله تعالى فيجب أن يُحْمَلَ كل لفظ على معناه الذي أُرِيدَ به فقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْت﴾ أي ما سَدَّدْتَ الرَّمْي وقوله تعالى إِذْ رَمَيْتَ} أي إذ قُمْتَ بِالرَّمْي بحشب ظاهِرِ الفعل، وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) أي أن الله تعالى هو الذي سَدَّدَ هذا الرَّمْي.
كذلك نحو قول الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] وقوله: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنَسَنَكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية: 34] ففي هاتين الآيتين
إسناد النسيان إلى الله - تعالى الله عن النسيان وهو سبحانه يقول في آية أخرى فيما يحكيه الله ـ تعالى ـ عن موسى: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52]، ويَقولُ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَّا﴾ [مريم: 64] فلا ريب أنَّ النسيان بالمعنى الحقيقي مُستَحِيلٌ على الله تعالى إذ كيف يكون الله - تعالى ـ ناسيا وهو سبحانه الذي لا يَعزُبُ عن عِلمه شيء؟! كما أن علمه تعالى عِلمٌ ذَاتِي إِذ يَعلَم كَلَّ شيء، وإنما المراد بقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَنكُمْ﴾ [الجاثية: 34) أي «اليَوْمَ يُهْمِلُكُمْ»، وكذلك: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] يُرادُ به أَهْمَلَهُم الله تعالى وخَذَلَهُم ولَم
يُوفِّقْهُم لِلْخَيْر، فإذن لا بد من أن تُحْمَلَ الألفاظ على معانيها الصحيحة. كما أن إعطاء الكلمات القرآنية معاني لا تَحتَمِلُها تَجَنَّ على القرآن الكريم أيضاً.
ولا بد من الاستهداء بِأَمْرينِ اثْنَيْنِ فِي فَهُم مَعانِي القرآن: الأول: الاستهداء بالعقل الذي يُرْشِدُ الإنسان إلى المعنى الصحيح، ولِذلِك نَجِدُ في القرآن الكريم أنَّ الله تعالى يُبيّن أنَّ هذه الآيات التي أَنْزَلَها