الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢372 الفتاوى العقيدة
خَسِر خُسْرَاناً مُبِينا وضاعت جُهوده، وهكذا هؤلاء سَتَضِيع جهودهم بإذن الله مهما ضوعفت ومهما أُنْفِق فيها من مال، وستَتَفَطَّرُ مِن ذلك أكبادهم وتَذُوبُ قلوبهم عندما يَرَوْنَ دِين الله يَسْطَعُ في أرجاء الأرض ويُجَلْجِلُ صَوْتُه في
جنبات الوجود، والله الموفق.
كيف يكون القرآن معجزة للعامة وقد جاء بلسان عربي مبين وفي الأمة مَنْ لا ينطق بهذا اللسان؟
إِنَّ الله تعالى أرسل رُسُله تَتْرَى وأنزل كُتُبه تُتْلَى ليهلك مَنْ هلك عن بيِّنَة ويَحْيَا مَنْ حَيِيَ عن بَيِّنَة وقد اقْتَضَت حِكْمَتُه تعالى مِنْ أجل البيان أَنْ يُرسل كل رسول بلسان قومه ليبين لهم فقد قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ هُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] فقد أرسل موسى باللسان العبري وهكذا كانت دعوة عيسى وكذلك الرسل المُتقدمون مِنْ قبل إنما كانت ألسنتهم ألسنة أقوامهم، ولكن هذه الدعوة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقة لدعوات المرسلين من قبل لم تكن محصورة في أمة بعينها، وإنما هي شاملة لجميع الناس على اختلاف ألسنتهم وعلى اختلاف أجناسهم وعصورهم منذ تِلْكُم البعثة الشريفة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالناس جميعا مخاطبون بهذه الرسالة.
وقد هَيَّأ الله سبحانه اللسان العربي لأن يكون لسانا يشتَمِلُ على هذه الرسالة المقدَّسَة إذ كان وعاء لها حيث كان وعاء لكتاب الله الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وهذا اللسان هُذّبَ بالأطوار التي مرت به طؤرا بعد طور حتى ارتقى إلى هذا الأوْج الشامخ وَوَصَل إلى هذه الذِّرْوَة الرفيعة إذ كان هو اللسان المُتَهَيِّئ لأن يشتمل على هذه الرسالة المقدسة أبعادها بجميع