الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ٤٠٠

40 الفتاوى الفتاوى العقيدة

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} (الممتحنة: 4]. أي إلا هذا الاستغفار الذي استغفره إبراهيم لأبيه ليس لنا أن نتأسى به فيه، فلا نستغفر لأحدٍ من الكفار، كيف ونبي الله - تعالى - نوح الذي لَيث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يَدعُوهُم إلى الله ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُبين لهم معالم الحق ويُقيم لهم دَلائل التوحيد، عندما قال كلمة واحدة في ابنه: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45]، عُوتِبَ على ذلك، ورَدَّ عليه ربنا تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِيحٍ﴾ [هود: 46]، فَلِكَوْنِهِ عَمِل عملاً غير صالِحٍ لَم يَجز أنْ يَجعله من أهله وأن يستغفر له مع أن استغفار نوح بمجرد التعريض لا بكلمة صريحة حيث قال:

كان

إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وقرأ الكسائي مِن القُرَّاء السَّبْعَة: (إنه عَمِل غير صالح)، وهذه القراءة قرأ بها أربعة من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - وهم علي وعائشة وأبو هريرة وأنس بن مالك، وفي هذا إيذان بأنَّ صاحِب العمل غير الصَّالِح يُترك وشأنه فلا يُستغفر له، لذلك قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: 4 - 5] ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَنَوَلَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: 6] على أن استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان لسبب بينه تعالى في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّاً مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]، فالاستغفار لَا كان لأجل الحرص على أن يُوفي بوعده وأن لا يُخلف أباه ما وعده، فَلِذَلك استغفر له، ولَمَّا تَبيَّن له أنَّه عدو الله تبرأ منه:

٤٠٠ / ٩١١