الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٤٣٥الإيمان بالرسل
الجزء الأول
435
ما الكرامة عندنا؟ وما حكمها؟ وهل هي تأييد وامتداد لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما حدودها؟ الكرامة شأن يكرم الله به أولياءه من خلقه، وقد تخرج عن معهود البشر من نواميس الكون كالقصة المحكية عن عمر الله أنه كوشف بحال جيش المسلمين في فارس وهو بالمدينة، وخشي إحاطة العدو به فنادى من هناك قائده: يا سارية الجبل الجبل) فأسمع الله صوته سارية فلجأ إلى الجبل. ومثل هذه القصة قصص جمة تحكى عن الصالحين، وناهيكم ما حكاه الله سبحانه في كتابه من نقل الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس من مقره إلى حيث كان سليمان في لحظة عين ولم تكن تلك معجزة لسليمان، لأنها لم تضف إليه، وإنما أضيفت إلى الذي عنده علم من الكتاب.
والحق
أن عدم استساغة العقول لخوارق العادات ناشئ عن كون تلك العقول ألفت تلك العادات إلى أن أصبحت لا تعي من أمر الحياة إلا ما يتفق معها، ولأنها لم تطلع على أسرار هذا الوجود، وإلا فإن نواميس الوجود نفسها لو أخبر بها من لم يعهدها لوجدها أمراً يخرج عن حدود عقله، فخلق الإنسان من طين وما يتبعه من نقله من طور إلى آخر إلى أن تنفخ فيه الروح ويتحول إلى خلق آخر فيه من عجائب الصنع وغرائب الفعل ما لا يدخل تحت الحصر، وهذه كلها أمور لو لم يشهدها الإنسان بنفسه لكانت بعيدة عن مدارك عقله. على أننا مع معايشتنا للتطور العلمي والصناعي ندرك كثيراً من الحقائق التي لم نكن نتصورها من قبل، ولم تكن عقولنا قابلة لتصورها فهل كنا نتصور في سالف عهدنا إمكان نقل رسالة من أقصى مشارق الأرض إلى أقصى مغاربها في أسرع من لحظة عين، بمجرد أن توضع في آلة هنا لتظهر صورتها في مثل تلك الآلة هناك، ويتم الإرسال والاستقبال في ثواني معدودة من غير إخلال بشيء من