الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠في
الفتاوى العقيدة
شَرِبَ أحد الخمر فإنه يَشربُها بقضاء وقدر، وآكل الربا إنما يأكله بقضاء وقدر، وكل معصية يرتكبها الإنسان يرتكبها بقضاء وقدر، لكن لا يعني ذلك إعفاء الإنسان عن مسؤوليته، فالله تعالى الذي خَلَقَ هذا الوجود هو خبير بكل ما يجري، وبكل ما سيقع في هذا الكون، لا تخفى عليه خافية الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه يعلم طوايا النفوس قبل أن تُخلق، ويَعلَم الدوافع التي تدفعها إلى الخير والتي تدفعها إلى الشر، ويعلم مدى استجابتها للخير واستجابتها للشر، ولكن مع هذا كله فإنّ الله تعالى آتى الإنسان اختياراً، وكلُّ
أحدٍ يرى الفرق بين حركته الاختيارية والحركة الاضطرارية، فعندما يُحرّك يَده باختياره يَجِد أنّ تلك الحركة مخالفة للحركة التي تَقَعُ لليد اضطراراً كحركة الرَّعْشَة مثلاً، والإنسان مؤاخَذْ بِكَسْبِه، فالزاني - مثلاً - ليس مُعاقَباً بقضاء الله وقدره، وإِنَّما هو مُعَاقَبٌ بِكَسْبِه الزنا وقد كان کسبه باختياره بنفسه، وقد علم الله تعالى هذا الاختيار وهو في الأزل فلذلك
قضي
أنه
ذلك، لأنه سيقع عَلِم أن العاصي سيختار الشَّر على الخير وسيُؤْثِر هَوَى نفسه على طاعةِ ربِّه سبحانه فحَكَمَ الله تعالى بِما حَكَمَ به عليه في الأَزَل لا لأجل أنّه مُصَرَّفٌ كما هو الشأن في الميت الذي لا حِرَاك له وإنَّما هو مُتَصَرِّفُ بِاختياره، وقضاء الله - تعالى - وقَدَره جَرَى حَسْبَ علمه وعَل مِن اختيار هذا العبد، فليس للإنسان أن يَتَخَلَّصَ مِن أيَّةِ مسؤولية بدعوى قضاءِ الله ـ تعالى ـ وقدره، ولو كان الأمر كذلك لما بقيت مسؤولية على أي أحد، فلا تثريب على قاتل النفس أن يُقتَل ولا يلزم مَن سَرَقَ أَن تُقطَع يَدُه بِحَسب الحكم الشرعي وأن تُردَّ السرقة إلى أهلها، ولا يلزم أن يُؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر بل المفروض لو كانت المسؤولية على القضاء والقدر أن يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويُخَلَّى كلُّ أحدٍ يَرتكِب ما يَرتكِب لأنّ كل ما يجري إنَّما هو بقضاء وقدر، ولكن أنَّى يكون ذلك. ونحن نعلم