الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٩الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
19
السائل يقول: - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: 30] فإذا كان كل شيء جرى في الدنيا بمشيئة الله فلماذا يحاسبنا؟
الحساب إنما هو على أفعال العباد فالله تعالى يشاء وقوع المعصية مع کراهته لها، والإنسان نفسه قد يكره الشيء ويشاء وقوعه، فلو أراد أن يقيم الحجة على أحد من أتباعه الذين تلزمهم الطاعة أنه مخالف لأمره فمع کراهته لمخالفته قد يأمره أمام الناس بفعل أمر وهو يريد في ذلك الوقت ألا يفعله ليقيم الحجة عليه أنه مخالف لأمره، فالله تعالى يحاسبنا على أفعالنا التي كسبناها باختيارنا لا على مشيئته هو. وهو سبحانه الذي خلقها لنا ولم يخلقها إلا بمشيئته ولو كان خلقها بغير مشيئته لكان خلقها اضطراراً - تعالى الله عن ذلك - ولو لم يكن هناك خلق لكنا مستقلين بإيجاد الأشياء استقلالاً تاماً. ونحن نرى أفعالنا كلها تأتي بعد تهيئة الله تعالى الأسباب لها ونجد الأسباب بعضها آخذاً بحجزة بعض حتى تصل إلى مسببها وهو الإتيان بهذه الأعمال، فمثلاً لو أراد أن يقتل إنسان غيره فإن قتله له لا بد أن تسبقه أسباب تتسلسل حتى يتم له مراده، ومن جملة الأسباب وجود السلاح، والله تعالى يعلم أن هذا السلاح يوصل إلى القتل، ولكنه سبحانه هيأه له، إذ هيأ أولاً من يصنعه، كما هيأ المادة التي يصنع منها ثم هيأ وصول السلاح إلى القاتل، وبجانب ذلك هيأ الأسباب لأن يلتقي القاتل والمقتول في المكان الذي يتمكن فيه القاتل من المقتول فيقتله، وعندما يريد الإنسان ارتكاب مثل هذا الجرم وكان ذلك غير مراد الله سبحانه في الأزل فإنه لا يمكن أن يتهيأ له ما أراده إما بباعث من نفسه بحيث يحس بما يثنيه عن مراده، أو لانقطاع الأسباب التي توصله إلى ذلك الفعل، فقد يصرف الله ذلك الذي يريد قتله عن الحضور في المكان الذي يتهيأ له فيه قتله، وقد يكون السلاح عن الفتك فلا يقوى القاتل على تحقيق، مراده وهذه الأمور كلها تدل
عاطلاً