الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٥٦56
الفتاوى العقيدة
تُصرّف الأشياء فتأتي بما لم يكن في الحسبان، فالله تعالى قد يَمُنُّ باليسر بعد العسر، وقد يَمُنُ بالفَرَج بعد الشدة، وقد يَمُنُّ بالسعة بعد الضيق، وهكذا تنقلب الأحوال من حال إلى حال، ودوام الحال
من
المُحال
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام المؤمنين جميعاً علمنا كيف نتفاءل حتى في حالات الشدة، فإنه - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ كان كثير التفاؤل ولم يكن يتشاءم، بل كان يَمْضِي قُدماً مع ما يواجهه من التحديات وما يَلْقاه من الصعاب، وعندما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعدما أظلمت الدنيا في وجهه وتنكَّر له المجتمع وبعُدَ عنه القريب ونفاه الحميم، فخرج من بلد فيه مَرتَعُ طفولته ومَسرَح أحلامه وسجل ذكرياته لينتقل إلى بلد آخر بينه وبينه نَحو خمسمائة كيلومتر أو نحو ذلك، وكان الرصد مِن أمامه والتَّبْعُ من خلفه يريدون به صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَر ويضمرون له كل كيد، في الحالة عندما تعرَّض له سُرَاقة طمعاً في أن ينال الجائزة التي وعدت قريش بها من يَرُدُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم حياً أو ميتا وهي مائة ناقة، حدثت آية من آيات الله تعالى حيث سَاحَت قَوَائِم فرسه في الأرض الصلبة ورأى من آيات الله ما رأى وطلب الأمان من النبي - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة
الصلاة
هذه
والسلام - فما كان من رسول الله الله بعدما مَنَحَه الأمان إلا أن قال له: «كيف
والسلامة
بك إذا لبست سِوَارَيْ كِسْرَى؟!» (1) فقد كان صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الصعب ينظر إلى مستقبل هذه الأمة وإلى وعد الله - تعالى - الآتي بلا ريب وإلى اليوم الذي يُعِزُّ الله تعالى فيه المؤمنين ويُذِلَّ فيه الكافرين وينتصر فيه الحق على الباطل وينزل فيه الجبَّارُون من عَلْيَائِهِم بحيث إِنَّ أحداً من عامة الناس يلبس
سِوَارَيْ كِسْرَى وتَاجَه لِيَتحقق وعد الله تعالى لهذه الأمة بالنصر والتمكين.
(1) رواه البيهقي (13414).