الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٥٨??
الفتاوى العقيدة
عندما يكون المسلم متشائماً لا يبقى عنده شيء من الأمل للعمل بل يتواكل، وهذا الذي وقع فيه كثير من الناس مع الأسف الشديد، وحقيقة الأمر ليست كذلك، ونحن متفائِلُون أيَّما تفاؤل بأن تنقلب الأمور من الشر إلى الخير ومن الصَّيْق إلى السَّعَة ومن العُسر إلى اليُسر:
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الشرح: 5 - 6]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «لن يغلِبَ عُسر يُسْرَيْن (1) فالله - تعالى - ذَكَرَ العُسر هنا بصيغة التعريف، وذكر اليسر بصيغة التنكير، والمعرَّف إذا كُرِّرَ كان الثاني هو الأول، والمنكر إذا كُرِّرَ كان الثاني غير الأوَّل، فَمعنى ذلك أنَّ هناك يُسْرَين يَكْتَنِفان عُسراً واحدا، ولا بد أن يغلب اليسران العسر الواحد، والله أعلم.
أنتُم مثال حَيٌّ لهذا التفاؤل، فهل يُمكن أن تقدموا لنا صورة واحدة فقط من الصور التي كنتم متفائلين فيها وكان غيركم متشائما؟
كثير من الناس في فترةٍ مِن الفترات كانوا ينظُرُون إلى أنَّ الدِّين قد مات، وأنَّ الساعة قد أَزِفَت وهي لا تقوم إلا على شِرَارِ الناس، فكانوا ينظُرُون إلى المستقبل أنَّه مستقبل مُظْلِم، وأنَّ الناس كفروا بما آمنوا به من قبل، وأنَّ الإسلام سَيَنقلب من ضَيْقٍ إلى أضيق ومن شدة إلى أشد ومن غُربَة إلى غُربَة أوحش، وكانوا دائماً يُرَدِّدُون ما رُوِيَ عن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - أنَّه قال: «بدأ هذا الدين غريباً وسيعود غريباً كما بَدَأ» (2)، وبحمد الله تعالى انقلبت الأحوال إلى خلاف ما كانوا يتصوَّرُون، وكُنا نَأْمَل بأن تُؤْتِيَ الدعوة ثِمَارَها وأن يرجع الناس إلى دينهم وأن يُفيقوا من سَكْرَتِهم، وأن يعودوا إلى رُشدهم وصوابهم، وبحمد الله حصل ذلك فعلاً فكثير من الناس بعدما غرقوا
(1) رواه الحاكم (3950).
(2) رواه مسلم (389).