الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٤١الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
141
إنها متواترة تواترا معنويا وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في مثل قول الله تبارك وتعالى -: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، فإن هذا العرض كما قال العلماء المفسرون هو عرض في البرزخ، قبل أن تقوم الساعة، وهل هذا العرض على الأجسام والأرواح أو على الأجسام فقط، أو على الأرواح فقط، أو هناك صلة بين الأجسام والأرواح، وإن كانت هذه الأرواح انفصلت عن الأجسام إذ لا يبعد أن تكون لها صلة وتأثير على هذه الأجسام بقدر ما تحس هذه الأجسام إما بالنعيم وإما بالعذاب ذلك كله أمر غيبي نكله إلى الله الله، وإنما على المؤمن الذي آمن إيمانا عميقا بالموت فما بعده أن يتزود من هذا الإيمان ما يقوي عزيمته على الخير، فالإنسان يعيش في رحاب هذه الحياة عيشة النعيم يتقلب فيها من نعمة إلى أخرى ويتنقل حيثما يريد، ثم بعد ذلك ينتقل إلى مكان ضيق إلى حفرة محدودة المساحة طولا وعرضا بقدر ما يتسع طولها وعرضها لطول جسمه وعرضه فجدير به ألا يغتر بمتع هذه الحياة وألا يركن إليها وأن يتزود منها ما ينفعه في ذلك الوقت.
أو
وإن الذي لا يدري متى يفجؤه المنون في ليله أو في نهاره في نومه يقظته، في سفره أو في حضره في آنه ذاك أو في مستقبله وهل هو في المستقبل البعيد أو في المستقبل القريب جدير بأن يكون في كل لحظة من لحظاته مستعدا للقاء الله، وأن يعد هذه الأنفاس التي تتساقط منه خطواته إلى تلك الدار الآخرة، فإن كل نفس يتنفسه لا يمكن أن يعود إليه أبدا، وعليه أن يحاسب نفسه وأن يجعل نفسه في كل لحظة من لحظاته أقرب إلى الله - تعالى - بالطاعة وبحسن العمل منه في اللحظات السابقة، هذا ما يستفيده الإنسان المؤمن من إيمانه بالموت ومن إيمانه بالقبر، وبنعيمه وبعذابه، بخلاف أصحاب الشهوات الذين جعلوا الدنيا فرصة للتسابق في مضمارها