الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٦٢162 الفتاوى العقيدة
الإنسان بعد موته؟!، واحتج الله عليهم بما احتجّ به من خلقهم من عدم وإخراجهم من العدم إلى الوجود.
وإِنَّمَا
ثم جاء بعده قَوْلُه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72] وحتى نفهم المراد منه لا بد أن ندرك بأن «ثُمَّ» هنا ليست هي للمَهْلَة الزَّمَنِية، هي للمهلة الرُّثْبِيَّة، والأصل في ثُمَّ أن تكون للمهلة الزمنية، ولكن عندما تعطف الجمل بعضها على بعض غالباً ما تكون للمهلة الرتبيَّة، حتى من النحويين من قال بأنَّها في عطف الجمل بعضها على بعض لا تكون إلا للمهلة الرتبيَّة فحسب.
أنَّ
والمَهْلَة الرُّتْبِيَّة هي أنَّ ما بين الكلامين بُعْداً، فالرَّبط ما بينهما يَقْتَضِي أن يكون «ثُمَّ» التي تدلُّ على المَهْلَة، ولهذا أمثلة كثيرة من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: 11]، فإِنَّنا لو نظرنا إلى «ثُمَّ» وحملناها على المهلة الزمنية لقلنا بأنَّ قول الله تعالى: أَسْجُدُوا لِآدَمَ} إِنَّما كان بعد الخلق وبعد التصوير، بينما ما في سورة الحجر وما في سورة ص يدلُّ على أنَّ الأمر بالسجود كان قبل الخلق، فالله تعالى يقول في سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَةٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ﴾ [الحجر: 28 - 29]، هذا الأمر كان قبل تَسْوِيَّتِه وقبل النفخ فيه من روح الله، وكذلك في سورة ص: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَيكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سجِدِينَ} [ص: 71 - 72].
ومن شواهد ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا أَقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ) فَكُ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَمُ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمَا ذَا مَقَرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ) مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 11 - 17]، فَكَوْنُه من الذين آمنوا