الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٦٤164 الفتاوى العقيدة
أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَجْزِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) عَلَى الرَّحْمَنِ عِنيَّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيَّا} [مريم: 66 - 70]، فهل علم الله تعالى بالذين هم أولى بها صلياً متأخر عما تقدمه؟ كلًا بل هو سابق لأنه علمه أزلي، ولكن ثم» هنا كما سبق هي للمهلة الرتبية، وذلك لأن الفكر يقطع مسافة بين تصور المعطوف عليه وتصور المعطوف. وهذا البعد ما بين تصورهما هو الذي يقتضي العطف بـ «ثم» مع أن المعطوف عليه قد يكون متأخراً عن المعطوف ويكون المعطوف سابقاً على المعطوف عليه، فعندما نقول:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد قبل ذلك جده
لا
يعني
ذلك تقدم سيادة الابن على أبيه وجده.
وليست لفظة «ثمّ» فقط تأتي لهذا المعنى بل كلمة «بعد» تأتي لهذا المعنى نفسه فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ مَّهِينٍ هَمَّارٍ مَشَاءٍ بِنَمِيمٍ) مَنَاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 10 - 13]، وكونه عتلاً وزنيماً سابق على الصفات السَّابقة في الذكر، لأنهما صفتان ذاتيتان، فهما متقدمتان على ما تقدمها؛ لأن كونه همازاً مسبوق بكونه زنيماً، والزنيم هو من لا يعرف أبوه، وكذا هو سابق على كونه حلافاً وعلى كونه مشاء بنميم إلى غير ذلك من الصفات المذكورة فيما قبل فكذلك «ثم» هنا هي للمهلة الرتبية مراعاة لما ذكرناه، والله أعلم.