الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٧٣الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
173
الله} [يونس: 64] ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]، فالقول بأنَّ الله يُنجز وعده ويُخلف وعيده هو في منتهى الخطورة.
على أنَّ هذا الادعاء هو الذي يدفع إلى انتهاك الحرم، والوقوع في المعاصي، وارتكاب الموبقات، فإنَّ الله ذكر عن بني إسرائيل الوقوع في هذا الأمر، وهذه الأمة حذرت أن تتبع سَنَن مَن قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، وقد وقعت في ذلك والعياذ بالله، فالله يقول في بني إسرائيل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: 169] وهذا هو نفس الاعتقاد الذي يعتقده أولئك الذين يقولون بأن الله يُنجز وعده ويُخلف وعيده، فهم إنَّما يتعلقون فيه بأماني المغفرة، على أنَّ هذه الأماني قد اجتثت بالنصوص القاطعة في كتاب الله، فإنَّ الله تعالى يقول: ـ وهو أصدق القائلين - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123].
أما كون هذه الأدلة أدلة عامة، وأن العُمومات قد خُصصت، وما مِن عَامٌ إلا وقد خصص، فإنَّ ذلك ليس على إطلاقه، إذ ليس كل عموم يكون في دلالته ظنيا، إذ من العُمومات ما لا يحتمل التخصيص بحال من الأحوال، فمن العمومات ما لو قيل بتخصيصه لأدَّى ذلك ـ والعياذ بالله تعالى ـ إلى الكفر، ومن ذلك قول الله في وصف نفسه: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ ﴿يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3 - 4]، فقوله: لَمْ يَلِدْ) نفي لأن يكون الله تعالى والدا لأي أحد كان لأنَّ المنفي هنا فعل والفعل حكمه حكم النكرة، فيعم في النَّفي كعُموم النكرة في النفي؛ وكذلك قوله: {وَلَمْ يُولَدْ * هو نفي للمولودية عنه، فهو لا يتصف بها بالنسبة إلى أي أحد كان، فلا يجوز بأن يقال: إنَّ هذا العُموم خُصِّصَ، وأنَّه مولود لبعض الخلق دون بعض، فهو تبارك وتعالى لا يتصف بالمولودية، كما أنه لا يتصف بالوالدية.