الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٨٣الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
183
لا يريد الله وعمل أن تبقى للفجار يوم القيامة حجة يتشبثون بها، فالحساب حق، والناس يومئذ يأخذون كتبهم منهم من يأخذ كتابه بيمينه وهو المتقي السعيد الذي ينقلب إلى جنة عالية، ومنهم - والعياذ بالله من يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهو الشقي المفتون الذي أبعده الله - سبحانه ـ عن ساحة الرحمة
وباعد بينه وبين الطاعة فكتب له ـ والعياذ بالله في الحياة الآخرة الشقاء. وإذا كان من شأن الإنسان أن يخشى حساب مخلوق مثله حتى ولو لم
يكن يفوقه في القدرة، فالشريك يحسب حسابه لمحاسبة شريكه له، والمرؤوس يحسب حسابه لمحاسبة رئيسه له، وكل ذي عمل يحاسب عليه يحسب حسابه لمحاسبة من يحاسبه على ذلك العمل، فإنه أحرى به أن يحسب كل حسابه لحساب العزيز العليم السميع البصير، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم يعلم ما يتلجلج في الصدور وما يخطر في القلوب، وما تشتمل عليه حنايا الضمائر وبجانب ذلك يشهد الشهود العدول، فتشهد الملائكة وتشهد جوارحه، وتشهد الأرض التي باشر عليها المعصية بما قدم وعمل في هذه الدنيا ويشهد كل شيء من حوله، وكما أن المجرم الذي يرتكب السيئات تشهد عليه هذه الجوارح بسوء ما ارتكب وشر ما أتى فإن الذي يعمل الصالحات يشهد له أيضاً كل ما حوله بما أتاه من العمل الصالح، لذلك أمر الرسول الراعي صاحب الماشية الذي في البادية إذا كان في ماشيته وباديته وأذن أن يرفع صوته بالأذان لأن كل ما سمع ذلك الصوت من شجر وحجر وغيرهما من أنواع الخلق يشهد له يوم القيامة، وما أدراكم أن يودع الله - تعالى - هذه الكائنات المختلفة التي نحسها الآن بأنها غير واعية إحساسا بقدر ما تحفظ هذه الشهادة وتؤديها يوم القيامة، وإذا كان الإنسان الآن يسمع صوت نفسه في آلة التسجيل، ويشاهد على الشاشة صورته على ما هي عليه عندما يباشر أمرا ما أو يسمع صوت غيره ويشاهد