الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٦206
الفتاوى العقيدة
يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 123 - 124] فلأنهما هما المخاطبان أصالة والذرية تبع لهما، ولا يستنكر أن يخاطب المعدوم مع الموجود فإن التكاليف الشرعية التي جاءت في كتاب الله تعالى ما كانت محصورة في الموجودين في وقت نزول الوحي بهذه التكاليف؛ فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ﴾ [البقرة: 43] لا ينحصر الخطاب فيه في الذين كانوا موجودين أحياء عقلاء في وقت نزول هذه الآية بل هو خطاب مستمر لهم ولمن يأتي من بعدهم إلى أن تقوم وكذلك قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَوةَ﴾ [البقرة: 43]، وقوله: ﴿وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى﴾ [الإسراء: 32]، وقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا﴾ [البقرة: 278]، فكل خطاب فيه أمر أو نهي في كتاب الله لا ينحصر في الأمة الموجودة إبان
الوحي. وقد اطلع أحد المشايخ المتنورين على ما ذكرته في التفسير وعلى هذا الوجه الذي ارتأيته واعتمدت عليه وهو أن الخطاب في سورة البقرة لآدم وحوّاء مع ذريتهما، فوجّه إلي سؤالاً خلاصته بأنه يتعذر أن يكون الخطاب للذرية معهما لأن خطاب المعدوم غير جائز وأنه يترتب على هذا أمور عدة … فأجبته عن هذا بأن نظريات العلماء ومصطلحاتهم يجب أن تكون تبعاً للأدلة وألا تكون الأدلة تابعة لها فما دمنا نقرأ في كتاب الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ * ونقرأ: {وَآتُوا الزَّكَوةَ * ونقرأ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
ونقرأ النهي عن قتل النفس وعن الزنا ونعلم أن ذلك كله يتوجه إلى هذه الأمة جميعها حاضرها وغائبها إلى أن تقوم الساعة؛ ولا يمكن لأحد أن يعتذر بحال من الأحوال بدعوى عدم شمول الخطاب له لأنه لم يكن موجوداً إبان نزول الخطاب، فيجب علينا أن نعتقد شمول خطابه التكليفي للجيل الذي عاصر الخطاب ولمن بعده.