الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٠230
الفتاوى العقيدة
من
صفية عمة محمد ويا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما فإني لا أغني عنكما الله شيئاً (1)» هكذا يخاطب الرسول الأخص خاصته وأقرب قرابته معلنا لهم أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، فكيف يتشبث بعد ذلك أحد بأمل أن النبي سيشفع له مع إصراره على كبائر الإثم.
هذا وأما أدلة المثبتين للشفاعة لأصحاب الكبائر فمنها ما حكاه الله تعالى عن عبديه الخليل والمسيح، إذ حكى الله ـ سبحانه ـ عن عبده الخليل لأنه قال تعالى: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
صلے
ورد دود
[إبراهيم: 36]، وحكى ـ سبحانه ـ عن عبده المسيح أنه قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، قال الفخر: «هذه شفاعة من النبيين الكريمين والله - سبحانه - يستجيب دعاءهما، وقد علمنا أن هذه الشفاعة ليست في التائب وليست في المشرك فهي فيمن ارتكب كبيرة دون الشرك ولم يتب منها، وإذا كان الله - سبحانه - يشفّع هذين النبيين الكريمين فأحرى أن يشفع ـ سبحانه ـ عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته لعظم منزلته عليه أفضل الصلاة والسلام ولخيرية هذه الأمة»، والجواب عن ذلك: أنا إذا نظرنا في المحكي عن النبيين الكريمين لم نجد فيه ما يدل على أنهما كانا بذلك يشفعان للذين يعنيهم خطابهما، وإنما ذلك تسليم منهما لأمر الله - سبحانه ـ ووقوف عند حدهما، فإن الإنسان وإن ارتقى في أوج الاصطفاء الإلهي ليس له أن يتدخل في شؤون الله تعالى، وليس له أن يقول عن الله شيئا من تلقاء نفسه وإنما يفوض الأمر إليه وعَل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وإذا أخبر ـ سبحانه ـ بأمر وجب التسليم لما أخبر به، وعدم تجاوز ذلك إلى غيره، ولو قلنا إن هذه شفاعة فللنظر من هو المقصود في كلام الخليل وفي كلام
(1) روى بنحوه البخاري رقم 4771.