الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٣١الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
231
-
الآية
عيسى؟ إن المعني في كلام الخليل هم الذين عبدوا الأصنام، وسياق علي الكلام يدل على ذلك فإن الله ـ سبحانه ـ قال في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ عَامِنَا وَأَجْنُبْنِي وَبَنِى أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 35 - 36] فالسياق إنما هو في عبدة الأصنام فلو استفيد من هذا المحكي في الكريمة عن الخليل أنه بذلك شافع فإن هذه شفاعة يجب أن تكون في عبدة الأصنام، والمحكي عن المسيح إنما هو في الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فإن هذا المحكي مسبوق بقول الله - سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُتِيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ لا إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: 116 - 118]، فلو استفيد من هذا المحكي عن المسيح لأنه شفاعة للزم من ذلك أن تكون هذه الشفاعة للذين كانوا يعبدونه من دون الله - سبحانه، ولو سلمنا أن هذه شفاعة فمن أين لنا أنها قبلت، وقد حكى الله ـ سبحانه ـ عن إبراهيم أنه استغفر لأبيه ولكن مع ذلك هذا الاستغفار لم يقبل، وقد بين ـ سبحانه ـ سبب هذا الاستغفار في قوله: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114]، فسبب الاستغفار ذلك الموعد الذي وعده إبراهيم أباه في قوله:
(117)
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيَّا} [مريم: 47]، والإنسان مطالب بأن يفي بوعده، ولذلك فإن الله - سبحانه - أمرنا أن نقتدي بإبراهيم والذين معه إلا في هذا الأمر، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا