الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٤

334 الفتاوى العقيدة

وتاب واستغفر صقل، وإنْ هو عاد عَادَت حتى تملأ قلبه فذلكم الرَّان» ثم تلا قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14] فالرَّأن هو أثر المعصية الذي يُغَطِّي على القلب حتى يَطْمِسَ نُوره، ويُكَدِّر صفوه، ويُحوّل بياضه إلى سواد، وضياءه إلى ظُلمة وأثر هذا الرَّأن أثر خطير جدا، ومن هنا نَجِد أَنَّ الله - تعالى - يُبيِّن أن توبته إنَّما هي للذين يتعجَّلُونَها لا للذين يُصرون على ما هم عليه ويُسَوِّفون التوبة من حال إلى حال، فقد قال تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَبِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17].

فالله جعل التوبة هنا كأنَّما هي حق واجب عليه ـ سبحانه ـ مع أنه ـ تعالى ـ لا يجب عليه شيء، ولكن بما أن وعده مُنْجَز وأَنَّه تعالى وَعَد أنَّ قبول هذه التوبة صار ذلك بِمَثَابَة حُكْم الحق الذي لا بد من الوفاء به، وبيَّن تعالى أنَّ هذه التّوبة للذين يعملون السوء فَذَكَر السوء بصيغة الإفراد ثم قيَّد عَمَل هذا السُّوء بِقَوله: ﴿بِجَهَلَة﴾ [النساء: 17] ومعنى ذلك أنَّ الإنسان يأتي هذا السوء وهو ليس مُعَانِدا لربّه، ومُكابرا له، ومُتحدّيا له، فإنَّ من يتحد الله يَخْذُلْه الله سبحانه، فباب التوبة وإن كان مفتوحا للجميع إلا أن التحدّي يؤدي بالعبد إلى الخذلان - والعياذ بالله - إلا قليلا مِمَّن كَتب الله لهم النجاة بعد الوقوع في هذه الورطة العظيمة، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17] فهؤلاء الذين يتوب الله عليهم يأتون السوء بجهالة، ثم بعد ذلك يتوبون من قريب بحيث لا يستمرون على ارتكاب المعصية.

والمعصية إن اسْتَحْكَمَت في نفس صاحبها تَحكَّمَت في هَوَاه، وصرَّفَت إرادته وملكت عليه أمره، وكان أسيرها ـ والعياذ بالله ـ، واسْتِنْسَارُ الإنسان للمعصية يؤدي به إلى مخاطر كثيرة، على أن قلب الإنسان مَثَلُهُ كَمَثَل الثوب، فالثوب يتأثر بأي دَنَسٍ مِن الأَدْنَاس ولكن إن تعجل صاحبه بتنظيفه