الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٥

الإنسانيات

الجزء الثاني

335

زَالَ أَثرُ ذلك الدَّنَس، وإن تركه مُهْمَلا وتَرَاكَمَت عليه هذه الأدنَاس صار من الصعب جدا أن تزول آثارها عنه، ومَثَلُ قلب الإنسان ـ أيضاً ـ كَمَثل المرآة، فعندما تَصْدَأ وتُهمَل يَتَراكم عليها الصَّدَأ، ويكون من الصعب أن يُزال أثر هذا الصدأ، فلذلك كان الذي يتعجل تنظيف نفسه وتصفية مرآة قلبه بالتوبة النصوح حَرِيّا بأن يُوَفِّقه الله - تعالى - وأن يتوب عليه، وأن يُصلح شأنه، وأن يُبْدِله بالمعصية توبة، وبالفجور برا، وبالخذلان توفيقا.

أمَّا الذي يُخْلِد إلى هواه، ويُصر على معصيته، فهو ينطبق عليه ما في الآية الثانية وهي قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: 18] فإنَّ السيئات هنا ذُكِرت بصيغة الجمع لا بِصِيغَة الإفْرَاد بِخِلاف السوء في الآية السابقة؛ لأنَّ هذه السيئات تتراكم على نفس الإنسان سيئة بعد سيئة، وتتراكم آثارها فَتَطْمِسُ نور القلب، وتأسر هواه حتى يكون

الإنسان متصرفاً بموجب ما تُمليه عليه هذه السيئات ويُمْلِيه شيطانُها. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] فالتوبة ليست لأولئك الذين يُسَوِّفُون مِن حال إلى حال، ويُصِرُّون على المعصية، حتى إذا حَضَر أحدهم الموت حاول أن يتخلص وأنَّى له ذلك والله قد فتح له باب التوبة فيما مضى ولكنه أعرض ونأى بجانبه؟ فإذا حَضَر الموت كانت التوبة عندئذ توبة مغلوب على أمره غير مختار، والتوبة إنَّما هي توبة من يستطيع أن يُصِر على المعصية، ولكنَّه يُؤْثِر رضا الله ـ تعالى ـ على هَوَى نفسه، فيتراجع عن هذا الهوى، ويعود إلى رُشْدِه، ويَسْتَمْسِك بِحَبْل ربِّه، ويستمر على تقوى الله، ثم أتبع قوله:

وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُون وَهُمْ كُفَّارُ} [النساء: 18].