الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٥الإنسانيات
الجزء الثاني
345
يتوبون ثم يغفر لهم» (1) فهل هذا الحديث صحيح وهل هذا الكلام من الصحة بمكان؟
هذا الحديث ليس فيه تشجيع قط على إتيان المعصية، وإنَّما هو دليل على أن الحق سبحانه يقبل توبة التائبين، فهو يحثنا على عدم اليأس من رحمة الله، بل يتقي المؤمن دائما متشبثا بأذيال فضل الله - سبحانه - راجيا رحمته مع خشيته من عذابه وليس معنى ذلك أن يكون الإنسان مطمئناً لا يخشى عذاب الله فإنه مهما فعل مِن بِرٌ وفعل من إحسان عليه أن يكون من الله وبدون الخوف من الله لا يستقيم عمل الإنسان قط، فالله تعالى يقول: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10]، ويقول الله: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ
خائفاً
وَعِيدِ} [ق: 45].
ويقول تبارك وتعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ (3) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءُ عَلَيْهِمْ وَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (2) إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِكرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: 6 - 11]، فخشية الله تعالى لا بد منها، كما أنَّ الرجاء لا بد منه، ولا بد - أيضاً - للإنسان من أن يُوازن بين الخوف والرجاء.
وليس معنى هذا أن يسترسل في المعصية بل يؤمر أن يخشى الله تعالى وهو يُؤدي طاعة الله فضلاً عن تجنبه معصية الله كيف والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَتِهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، فهم يفعلون ما يفعلون من الخير، ويدفعون ما يدفعون من الفضل، ويقدمون ما يقدمون من الأعمال الصالحة ولكنهم مع ذلك قُلوبُهم وجلة أنَّهم إلى رَبِّهم راجعون
(1) رواه مسلم (4936).