الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٦

356 الفتاوى

العقيدة

ومن المعلوم أن فعل الإنسان للخير مدعاة لائتمار الناس عندما يأمرهم بهذا الخير، وكذلك تركه للشر هو مدعاة لأن يترك الناس الشر عندما ينهاهم عنه، أما عندما يكون بخلاف ذلك فإن الواقع يكون عكس هذا، فأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم إنما يجرون التهم لا إلى أنفسهم فحسب بل إلى نفس الأوامر التي يأمرون بها والنواهي التي ينهون عنها وإلى نفس المبادئ التي ترتبط بها هذه الأوامر والنواهي كما يقول بعض عمالقة الفكر الإسلامي: إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج من قلب يؤمن بها، ولن يكون الإنسان مؤمناً بما يقول حتى يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق، حينئذ تخرج الكلمة كلها دفعة حياة؛ لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها وجمالها من حقيقتها لا من بريقه».

ونحن نرى أن السلف الصالح استطاعوا أن يتغلبوا على الصعاب، وأن يتحدوا جميع المشكلات، وأن يتجاوزوا جميع العقبات عندما كانوا على هذا النحو. فالسلف الصالح عندما دعوا إلى الحق وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لم تكن لهم وسائل إعلام كالوسائل الموجودة في وقتنا هذا، إذ لم تكن عندهم وسيلة بث مباشر أو غير مباشر، ولم تكن عندهم وسيلة اتصال عبر هاتف أو عبر شبكات المعلومات أو غيرها بالناس، وإنما كانت الكلمة وحدها تخرج من أعماق القلوب فتتغلغل في أعماق القلوب، ولا تقف حتى تحوّل الناس من واقع إلى واقع آخر بسبب عمق تأثيرها؛ لأن الذي قالها هو بنفسه متأثر بها، فعندما يقول الإنسان الحق ويعمل به يكون عمله أكثر دعوة إلى هذا الحق من قوله، ويكون لعمله تأثير أبلغ من التأثير الذي يكون لقوله، فلذلك كان جديراً بمن تحمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن

يكون هو مثالاً في الائتمار لما به يأمر وفي الانتهاء عما عنه ينهى.