الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٨

358 الفتاوى العقيدة

فهمه وإدراكه، ولذلك كانت دعوات المرسلين جميعاً تبدأ ببيان توحيد الله الله قبل كل شيء، فما من رسول من رسل الله وعمل إلا وكان داعياً إلى توحيد الله، كما يقول - سبحانه -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] فما من نبي أرسله الله إلا وكان داعياً إلى عبادة الله - تعالى - واجتناب الطاغوت قبل كل شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما دعا قبل كل شيء إلى تصحيح العقيدة، فلما تبلورت واتضحت معالمها وظهرت للناس براهينها وتحطمت الحواجز النفسية التي كانت تحول دون الاقتناع بها أخذ يدعوهم شيئاً فشيئاً إلى جزئيات الدين وأسس الأخلاق والاستقامة على ما تقتضيه العقيدة في الفعل والترك، وهكذا تدرج بهم في مدارج الخير حتى قضى على كل ما كانوا متلبسين به من، فساد وهكذا يجب على الدعاة مراعاة الأولويات، فالداعية كالطبيب الذي يعالج كبريات العلل قبل

صغرياتها.

ثم إن المسائل المختلف فيها أيضاً تتفاوت في ترتيب أولوياتها؛ لأن الأقوال تتفاوت قوة وضعفا ورجحاناً وخفة فبعض الأقوال تدعمها أدلة واضحة قوية، فما كان مدعوماً بالدليل هو مما ينبغي أن يُعول عليه أكثر مما كان غير مدعوم بالدليل، إذ الأقوال وإن جلت منزلة قائلها لا تتعدى أن تكون دعاوى فاقدة للبينات إن لم تعضدها الأدلة، فهكذا يجب أن يكون التركيز على ما دل عليه الدليل قبل أن يكون التركيز على أشياء جانبية لم يتبين دليلها. ثم الأدلة أيضاً تتفاوت فما كان دليله قطعياً يختلف عما كان دليله ظنياً، إذ ما كان دليله قطعياً ليس هو مكاناً للخلاف، فلا يجوز الاختلاف فيه وكيف يختلف فيما دل عليه دليل قطعي.

فمثل هذه الأشياء يجب أن يكون الأمرون بالمعروف الناهون عن المنكر

متفطنين لها وواضعين كل شيء منها في موضعه، والله أعلم.