الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٩الإنسانيات
الجزء الثاني
359
هل تذهبون من خلال هذا إلى وجوب العلم والفقه لدى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ لا ريب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون مع الجهل، حتى وإن كان الجاهل غير معذور عنهما فعليه أن يتعلم الحكم فيهما، فإن العامي لا يطالب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا فيما يعلمه، فإن هناك أشياء يشترك في معرفة حكمها الخواص والعوام، فالعامي يعلم أن الخمر حرام، فلما كان هو عالماً بحرمة الخمر فهو في هذه الحالة بمنزلة العالم الرباني الفقيه المتضلع المحقق لأنه قامت عليه حجة الله بأن الخمر حرام، فلا يسوغ له أن يسكت عن شاربها ويقره على ذلك، وكذلك العامي يعلم أن الزنا حرام كالعالم، فلا يعذر في تغيير هذا المنكر إن ثبت عنده بحجة، والعامي يعلم أن السرقة حرام، فلا يحل له إقرار السرقة والسكوت عنها، والعامي يعلم أن قتل النفس المحرمة بغير حق حرام، فعليه أن يغير ذلك مع القدرة على التغيير ولا يقره، فكل ما كانت الحجة قائمة عليه بحكمه ولا لبس عنده في حرمته فإنه مطالب بأن ينكر على من مارسه، وأن يأمره بالحق فيه … وهكذا، ولكن لا يعني هذا أن يقتحم الجاهل لجة هذا الأمر بغير علم فيقدم على تعاطي حكمه مع جهله به بحيث يقول إن هذا حلال وهذا حرام، فإن ذلك غير جائز بحال، فالله ـ تبارك وتعالى ـ شدد في هذا تشديداً بالغاً حيث قال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وبين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد من أن يكونا على بصيرة حيث قال: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأشار إلى ضرورة التفقه في دين الله بالنسبة إلى من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وذلك