الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٠360 الفتاوى العقيدة 130
في قوله ـ سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122]، فقد ناط الله الله الإنذار هنا بالتفقه في دين الله، والإنذار هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الدعوة إلى الله وحل والله أعلم.
قد يتصور شخص أنه إذا نصح شخصاً آخر ستترتب على تلك النصيحة فتنة وخصام، ففي هذه الحالة هل يلزمه النُّصح؟
إن كان ذلك سَادِراً في غَيْه مُسترسلاً في ضلاله مسارعاً إلى هواه فمن الواجب النُّصح مهما كانت خُصومته فإنَّ الله تعالى يحكي عن لقمان لا أنَّه قال في وصيته لابنه وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان: 17] فالصبر على ما يُصيبه بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب بدليل هذا الأمر.
والله تعالى بَيَّن أن ضريبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يُصيب الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أذى، وقد وقع ذلك في الأنبياء من قبل فإنَّ الله تعالى يقول مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوَا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، ثم يقول:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 109 - 110].
فالمرسلون الذين هم أرسخ الناس إيمَاناً يَصل بهم الأمر إلى مشارفة اليأس لهول ما يلقون بسبب دعوتهم الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف