الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٢362 الفتاوى العقيدة
على الإتيان بالأسهل فالأسهل، فمن كان يَرْدَعُه القول لا يُعْدَل إِلى رَدْعِه
منه
باليد، فربَّما كان جاهلاً أو غافلاً، ومع ذلك ـ أيضاً ـ ليس من ظهر المنكر مِن بِداية الأمر كَمَن تكرر منه، فالذي يَتَكَرَّر منه يُغلَظُ عليه القول لعناده وإصراره، أما مَن ظَهَر منه أول فإن الواجب أن يُنَبِّه ويُقَال له بأن هَذَا منكر، وهذه هي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ
رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] أمَّا الذي يَتَصَامَمُ وَيَتَعَامَى وَيَتَعَالَى ويُصر على فعله ويستَكْبِر استكباراً فإنه يُغْلَظ له في القَوْل، وإن كان من بين الذين شاهدوا المنكر من هو من الذين آتاهم الله تعالى التمكين والاستخلاف في الأرض بحيث كان قادرا على تغيير هَذَا المُنكَر باليَد فَإِن عليه تغييره، أمَّا من لَم يَكُن قادراً على ذلك ولا على الجهر بالإنكار بالقول فإنه يجب عليه أن ينكره في باطنه بحيث يمتعض منه ومن فاعله، ويتمنى أن تكون له قدرة على الإنكار بما هو أكثر من ذلك، وهذا أمر تقتضيه الفطرة إذ من شأن المؤمن أن يضيق صدره مما يراه من المنكرات، وهو لازم لكراهة الكفر والفسوق والعصيان، فإن انشراح الصدر ممن رأى المنكر يُعد مُشَارَكة لفاعله الصَّادر من صاحب المُنكَر، فإن من انشرح صدره عندما يرى المُنكَر لا يُؤمَنُ منه أن يألف المنكر حتى يرتكبه بنفسه، ولكن إن تغيَّر قلبه وامتغض منه فإن أثر ذلك يعود أولا بالخير على نفسه، لأنه بتغييره إياه في قرارة ضميره يعوده النفرة من المنكرات والتقزز منها وعدم الانسجام مع مرتكبيها، ثم مع ذلك يكون مؤديا فريضة لازمة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو مُنتهى مَا يَقْدِر على تَنْفِيذِه من مُقْتَضَيَات إيمانه بالله تعالى وباليوم