الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٦446 الفتاوى العقيدة
أما ترجيح الإباضية لما رواه الربيع على ما رواه غيره فإنما يرجع ذلك إلى عدة أمور:
أولها: أن سلسلة الربيع الذهبية خالية من وجود من يعتقد العفو عن أهل الكبائر وإن لم يتوبوا، أو أنهم يعذبون إلى أمد ثم يحولون من العذاب إلى النعيم ولا ريب أن العقل والشرع قاضيان بأن اعتقاد أن مرتكب الكبيرة - ومن بينها الكذب - لا يعفى عنه إن لم يتب وعقابه التخليد في جهنم رادع عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والاجتراء على نسبة ما لم يقله إليه.
يتصور
أما العقل؛ فمن المعلوم أن من كان يتصور أن الإقدام على أمر ما يترتب عليه العقاب حتماً، وأن عقابه خالد أبدي لا يكون جريئاً على الإقدام على ذلك الأمر، بل ينهنهه اعتقاده عن مقارفته، بخلاف من كان أنه قد يعفى عنه وإن لم يعف عنه عذب إلى عذب إلى أمد ثم انقلب إلى النعيم، إذ لا يستوي في موازين العقل أصحاب هذا المعتقد وذاك المعتقد. وأما الشرع؛ فكم من نصوص في القرآن تدل على هذا، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةِ وَأَجْرِ كَرِيمٍ﴾ [يس: (11)، وقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ) [فاطر: 18]، وقوله: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) [ق: 45]، وقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10]، وبين تعالى أن اعتقاد اليهود أنهم سيغفر لهم جرأهم على أخذ عرض هذا الأدنى، فقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: 169].
كما بين سبحانه أن اعتقادهم بأنهم لا يلبثون في النار إلا إلى أمد ترأهم على التولي عن تحكيم الكتاب الذي أوتوه، وذلك في قوله: