الإباضية أهل الحق والاستقامة
الجزء ١ · صفحة ١٣٦الإباضية أهل الحق والاستقامة
وبعد أن نبغ الشيخ محكم في العلم وبلغت شهرته الآفاق، عينه الإمام أفلح قاضياً على «تيهرت» عاصمة الدولة الرستمية بعد وفاة قاضيها الذي كان في منصب القضاء منذ عهد الإمام عبد الوهاب كما يظهر من كلام ابن الصغير حيث يقول: «وأول ما امتحنه الشراة ـ يقصد امتحان الشراة للإمام أفلح لما تولى الإمامة - أن قاضياً من قضاة أبيه مات في أيامه فاجتمعت إليه وسألوه أن يولي القضاء من يستحق ذلك … ».
سار فيهم الشيخ محكم سيرة عادلة ونذكر هنا حادثة تدل على عدل الشيخ محكم وعلى شدته في الحق، وكذلك على تحقق توقعات الإمام أفلح من أن أهل تيهرت لن يتحملوا منهجه الشديد في تطبيق الحق مع أنهم لا يرغبون في الظلم لا محالة، فيذكر ابن الصغير أن أبا العباس أخو الإمام أفلح تنازع في أرض مع صهر الإمام أفلح، فرفعا أمرهما إلى الإمام أفلح، فقال لهما الإمام: كلا كما يعز عليّ ولكن ارتفعا إلى محكم»، فاغتنم أبو العباس كلام أفلح وبادر إلى الشيخ محكم بدار القضاء فسبق خصمه، فلم يجد معه أحداً فأجلسه محكم بجنبه وأقبل عليه يحدثه، وفي تلك الأثناء أقبل خصمه فجلس بباب الدار، ولم ينتبه إليه الشيخ محكم، فلما رأى أبو العباس خصمه بباب الدار نادى على جارية الشيخ محكم يستسقيها الماء ليرى خصمه دلالته على القاضي، فقال الخصم في نفسه: «إلى من أحاكم؟ خصمي جالس إلى جنب القاضي ويستسقي الماء من داره وأنا ملقى على باب الدار لا يلتفت إلي ولا ينظر نحوي، فحانت من الشيخ محكم التفاتة فرأى الرجل جالساً بالباب فقال له: «ما بالك يا هذا وما قصدك؟»، فقال له: «جئت خصما لأبي العباس فوجدته جالساً إلى جنبك فجلست موضعي هذا، فغضب الشيخ محكم على أبي العباس فقال: «يا أبا العباس تأتي مع خصمك فتجلس إلى جنبي دونه وتستسقي الماء من داري على يد جاريتي، يا غلام خذ بيد أبي العباس وأقعده مقعد خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه وأقعده إليّ، ومر الجارية فلتسقه ماء»، ففعل الغلام ما أمره به فخرج أبو العباس مغضبا حتى دخل على أخيه أفلح فلما رآه، قال له: «مالك وما عراك؟»، قال: «نزل بي من هذا الهواري الشرس الجافي ما لم ينزل بأحد»، فقص عليه القصة، فقال له الإمام أفلح: يا أبا العباس قد كنت أعلمتك بهذا من قبل، والصواب ما فعل والحق أولى أن يؤثر، ولو فعل غير هذا لكان مداهنا»، فوصل خبر ما فعل الشيخ محكم إلى علماء تيهرت فسروا بذلك واعجبوا به (19).
136