الإباضية أهل الحق والاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٢٩الإباضية أهل الحق والاستقامة
حاول عبد الرحمن نجدة الإمام أبي الخطاب، لكنه لم يتمكن من ذلك، فاضطر للفرار من ملاحقة ابن الشعث له، فتوجه إلى المغرب الأوسط، حتى وصل إلى جبل يدعى «صوفجج» فتحصن به، حتى يئس منه ابن الأشعث.
ولما أحسّ عبد الرحمن من نفسه القوة والقدرة على بناء دولته الجديدة، خاصة بعد أن التف عليه الكثير من أنصاره من البربر ومن أهل العلم والصلاح ممن يثق بهم، اتجه إلى مكان تكثر في الأشجار والأحراش والسباع يسمى «تيهرت»، فشرع في بناء دولته الإسلامية الجديدة هناك ما بين 100 هـ ـ 160 هـ، والتي عرفت باسم «الدولة الرستمية نسبة إلى والد عبد الرحمن، وهكذا جرت العادة في تسمية الدول الإسلامية في العصور الوسطى بأسماء آباء المؤسسين.
بذل عبد الرحمن - وهو لم يبايع بالإمامة - جهده مع من معه من العلماء في بناء تيهرت حتى تكون على أجمل هيئة، حتى أن بعض المصادر العلمية تفصل في بناء المدينة بداية بالمسجد الجامع، ونهاية بالدور والقصور والبيوت والأسوار الحصينة.
فازدهرت تيهرت، وشدت إليها الرحال للتجارة والسكن والعيش الرغيد الآمن، مما جعل
الكتاب والرحالة يقصدونها ويشيدون بها. ومن ذلك ما قاله المقدسي واصفا لها فيقول: … هي بلخ المغرب، قد أحدقت بها النهار، والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها العين وجل بها الإقليم وانتعش فيه الغريب واستطابها اللبيب يفضلونها على دمشق وأخطؤوا، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف … ». وما أن وصلت سنة 160 هـ حتى قام العلماء وأهل تيهرت بمبايعة عبد الرحمن إماما عليهم، وهو حري بهذا المنصب، فهو الذي استطاع أن يبني لهم هذه الدولة، وهو الذي خصه شيخه أبو عبيدة بقوله له: «أفتِ بما سمعت مني وما لم تسمع». وقد تولى الحكم في الدولة الرستمية عدد من الأئمة، يتم اختيارهم من قبل العلماء والرعية، فكانت الدولة الرستمية سائرة على نهج الخلافة الراشدة.
الشيخ علي يحيى معمر في كتابه الإباضية في موكب التاريخ، ذكر عدة أدلة تدل على أن نظام الحكم في الدولة الرستمية لم يكن وراثيا، وإنما كان يرتسم خطا الخلافة الراشدة بتطبيق مبدأ الشورى، وتكفل أهل الحل والعقد من العلماء باختيار الإمام الجديد. ويقول:
29