الإباضية أهل الحق والاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٤٨الإباضية أهل الحق والاستقامة
إن الطوائف العربية في إسبانيا المنقسمة بين ذوي الأصل الصحراوي وغيرها لم تستطع تثبيت وضعيتها إلا بعد تنصيب الأمويين في البلاد؛ والذين طردوا من طرف العباسيين من الشرق سنة 750 م. لقد أدرك الأمويون أنهم لا يستطيعون حكم إسبانيا إلا بارتكازهم على العنصر المسلم المهيمن والغالب ديمغرافيا وهم الأمازيغ، وهذا ما فعلوه حتى زوال ملكهم في بداية القرن الحادي عشر الميلادي طوال عهد الإمامة الإباضية في تيهرت شمال إفريقيا وحتى بعدما رعى الأمويون تحالفا مع إباضية إفريقيا الشمالية، والتي بسببها انتقلت المعارف العلمية والتقنية لهؤلاء الإباضية؛ من رياضيات وعلم الفلك، وفي ميدان الملاحة، وري المناطق الجافة، وكذلك في التاريخ. فالمؤرخ الأندلسي الكبير الوراق الدي جمع المعطيات حول أنساب البربر في إفريقيا الشمالية من عند أبي يزيد المختبئ في الأندلس بعد هزيمته وموت أبيه. هذه المعطيات التي انتقلت لاحقا من طرف البكري ثم ابن خلدون. (انظر التأييد المقدم من الأمويين لانتفاضة الإباضية ضد أبي يزيد الفاطمي من 943 م إلى 946 م).
لم ينضم الأمويون وحتى جموع أمازيغ الإسبان إلى الإباضية لكنهم دخلوا بكثرة في المذهب السني المالكي، ولكنها كانت مالكية متفتحة ومتسامحة كما كانت الإباضية نفسها. لقد انقضى أكثر من قرن بين سقوط الأمويين في إسبانيا وميلاد ابن رشد، لكن اتسمت الفترة بتبادل كثيف للأفكار والخبرات بين إفريقيا السوداء لقبائل الونجرة وإفريقيا الشمالية الإباضية من جهة وأسبانيا الأموية من جهة أخرى.
من هذا التفاعل تكونت الثقافة الأندلسية التي ستزدهر في القرون المتوالية من بعد. هذا الازدهار ترجم في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر الميلادية بتنقل القطب العلمي للعالم الإسلامي من الشرق إلى الغرب، بينما في القرن الثامن والتاسع كل رجالات العلم المشهورين في العالم الإسلامي كانوا متمركزين في بغداد.
لقد نافست قرطبة بغداد في هذا المجال في القرن العاشر والحادي عشر والثالث عشر، وعرفت القاهرة كذلك رقيا متوازياً مع قرطبة؛ ولو في مجالات أقل.
إن الإباضية ينشرون العلم للجميع مع إرادة قوية لتعميمه، ونحن سوف لن نجد مثيلاً لهذا
المفهوم في التاريخ إلا بعد قيام الثورة الفرنسية، حيث انتقل هذا المفهوم النخبوي للعلم إلى مفهوم
48