الإباضية أهل الحق والاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٨٠الإباضية أهل الحق والاستقامة
فالمعاد أبدي والمعاش إنما هو لفترة محدودة، المعاد أمر حقيقي والمعاش إنما هو حياة وهمية إذ لا يدري الإنسان متى تنصرم هذه الحياة، فلذلك يتحكم الإنسان في رغباته ونزواته ونزغاته عندما يرسخ الإيمان باليوم الآخر رسوخاً في نفسه على أن يكون تصوره لذلك اليوم تصوراً صحيحاً، تصوراً مستلهماً من القرآن الكريم ومن الصحيح الثابت عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، لا من الأماني الفارغة.
عندما يرسخ هذا الاعتقاد في النفس فإنه ولا ريب يؤدي ذلك إلى أن تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً فتصاغ حياتها وفق هذا المعتقد، ولكن عندما تفرّغ هذه النفس من هذا المعتقد ويكون هناك تبث بالأماني والآمال الباطلة لا ريب أن الحياة تتحول تحولاً جذرياً من الخير إلى الشر ومن الصلاح إلى الفساد، فإن النفس البشرية جبلت على الطمع، والإنسان يحب العاجلة وينسى الدار الآخرة عندما تحيط به شهوات نفسه وتدفعه دفعاً إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية، ولا ريب أن الإيمان بأن الحق سبحانه وتعالى يجزي كل نفس بما عملت يؤدي بالإنسان كما قلنا إلى أن يتحكم في هواه ويسيطر على رغباته ويصوغ حياته صياغة شرعية وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إعراض اليهود عن الكتاب الذي أنزل عليهم إنما
كان بسبب اعتقادهم أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودات فقد قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم معْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ الله
[آل عمران: 23 - 25]. هذه المعتقدات انتقلت كما قلنا إلى هذه الأمة وأورثها ذلك ما أورثها من اتباع الأهواء وتشتت الكلمة وذهاب ريحها وأن تصبح أمة هزيلة. فعقيدة الإرجاء إذن لها أثر كبير في تدمير هذه الأمة، وفي تدمير أخلاقها، وفي القضاء على معنوياتها، وفي الكبوة بها بعدما كانت أمة ناهضة قوية عزيزة يحسب لها بين الأمم جميعاً كل
حساب.
ريب
ولا. أن مثل هذه المعتقدات أخذت تنخر في جسم هذه الأمة نخراً، وليس ذلك وليد اليوم والأمس وإنما ذلك منذ بدأ هذا الانحراف، أخذت هذه المعتقدات تنخر في جسم هذه الأمة نخراً
80