الإباضية أهل الحق والاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٨١الإباضية أهل الحق والاستقامة
حتى أصبح مفهوم الإيمان عندها مفهوماً نظرياً شكلياً لا أثر له في الحياة كأنما الناس تعبدوا بأن يعتقدوا أن هذا كذا وأن هذا كذا وألا يتأثروا بهذا المعتقد في حياتهم، ومن غريب ما يذكره الإمام محمد عبده من أمثلة ذلك أن أحد الكبراء في وقته كان يقول: أنا لا أنكر أنني أكل الربا ولكنني والحمد لله مسلم أدين بأن الربا. حرام أي تناقض هذا هو يعتقد أنه يكفيه أن يعتقد أن الربا حرام ولئن اعتقد ذلك فحسبه هذا المعتقد سبباً لنجاته من النار. قال الإمام محمد عبده تعليقاً على ذلك: وقد فات هذا أنه يلزمه بناء على هذا المعتقد أن يعتقد أنه من الذين يحاربون الله ورسوله، وأن يعتقد أنه من أهل الوعيد على أكل الربا.
ونحن نرى أن تفريغ الإيمان من معناه الحقيقي وهو «الأثر على هذه النفس البشرية حتى تكون نفساً يعتدي على ذلك، وهذا يتحين الوقت من أجل أن يحتال على ذلك، كل واحد منهم لا يشتغل إلا بمصلحة نفسه بخلاف ما إذا كان العقيدة راسخة لأن كل واحد مجزي بعمله: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يعملون) [القصص: 84].
الله تعالى
هذا المعتقد هو الذي يجعل هذه الأمة متواصلة الحلقات أمة قوية … ولذلك لا يهدم الثابت من أجل العارض وعندما كانت الخلافة الراشدة كان الأمر شورى ما بين المسلمين، كان الخليفة كواحد من المسلمين يعرض الأمر عليهم ويطلب منهم مناصحته، وكان الخليفة يعلن على الملأ: أيها الناس إذا رأيتم في اعوجاجاً فقوموني. فيقوم أحد من عامة الناس فيقول له لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا فما يكون من الخليفة إلا أن يحمد على هذه النعمة، لئن يجد في رعيته من يقوّم اعوجاجه بسيفه. وكان الناس يتصورون جميعاً أن سياسة الأمة لا تقوم إلا على العدل، أن يكون الخليفة خليفة عادلاً، وأن يحاسب من جميع طوائف الأمة لأنه أجير قائم على راس هذا الأمر، أجير لهذه الأمة وهو مسؤول فيما بينه وبين الله كما أنه مسؤول فيما بينه وبين الأمة للبشر أن يحاسبوه في الحياة، كما أن الله سبحانه وتعالى يحاسبه في الدار الآخرة. وعندما أفضى الأمر إلى بني أمية اجتثوا هذه القواعد من أساسها، وأتوا على هذا الأمر من قواعده وأقاموا سياسة مبنية على الاستبداد بالرأي والرغبة في التحكم، وأشاعوا في الناس بأن هذا قدر مقدور من الله، وأن على الجميع أن يسلّم له، ومن لم يسلّم له فهو شاذ عن أمر المسلمين خارج عن جماعتهم، حرب على المسلمين …
81