دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١١٢

وذلك حين يعلن الكاتب عن تهنئته بفوز "الكابوية" في الانتخابات، وحين يختار "بوق إسرافيل" وسيلة توصل الخبر إلى كل مكان.

بأسلوب المفارقة الذي يعتمده الأديب للكشف عن التّناقض الحاصل في تصرّفات بعض النّاس، وتقديم ذلك تقديما متهكّما ساخرا مستهزئا. الذي منه تسمية الأشياء تسمية معكوسة، ونقل الأفكار نقلا مغلوطا، وسرد المشاعر سردا شاذّا. كتب أبو اليقظان مقالا كاملا يوصي فيه ابنه وصايا تخالف ما اعتاده النّاس، وما يدعو إليه العقل، وما يفرضه الدّين. نطق بذلك مجاراة للظّروف والملابسات التي يعيشها المجتمع الجزائري، وتعبيرا عن المفارقات التي لحظها في المجتمع؛ بما يدعو إلى الإشفاق والدّهشة والتّحسّر من استهتار النّاس بالقيم السّامية والأخلاق الفاضلة: " كن منافقا مرائيا ملاّقا، وفي كنف هذه الصّفة تعيش مملوء الجيب، طويل العمر، وإيّاك والصّراحة والجهر بالحقّ، فإنّ هذا مما يقصم ظهرك، كن خائنا كذّابا، فإنّك بذلك تعيش خفيف الظّلّ، عذب اللّسان، وإيّاك والنّصح والصّدق، فإنّ هذا ممّا يجعلك مرموقا بعين الحنق والاستثقال … "(1).

في المقابلة بين النّصائح والنّتائج المتحصّل عليها تكمن السّخرية؛ لأنّها إفرازات تكشف عن سلوك تضرّر به المجتمع كثيرا، وهو اللّجوء إلى السّهل الميسور، والاشتغال باللّهو والعبث، والتّحلّي بصفات رذيلة، وارتكاب الموبقات والحماقات. هذه هي المفارقات التي أدهشت الكاتب وحيّرته، وقد عالجها في أدبه كثيرا وبأساليب متنوّعة. منها أسلوب السّخرية التي أفرغت ما في قلبه من كمد، وما فيه من وجد.

(1) - "أبوك الكذّاب" "وصية كذّاب لابنه" جريدة وادي ميزاب ع: 88 (22/ 06/1928م) النّصّ لأبي اليقظان. ينظر للكاتب نفسه، "عوم بحرك يا … " جريدة البستان ع:4 (23/ 05/1933م)، و"محادثة أصمّ"، المصدر نفسه ع:10.

١٠٨ / ٤٠٤