دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١١١

من بلديّة الجزائر أن تهيئ لأعضائها حوضا من الماء الحلو لينزلوا فيه بعد خروجهم من البحر؛ لينزعوا من جلودهم ملوحة البحر، حتى لا تحترق بأشعّة الشّمس التي لا يطيقونها.

يقدّم اقتراحه بعد أن رفضت البلدية طلبها: "ونحن نقول لهم الأمر بسيط جدًّا، لا يكلّفهم أدنى تعب، نحن الذين فاضت عيوننا دما من شدّة الظّلم والاستبداد .. لنا حمير –كما لهم- ذوات رجلين، إن شاؤوا استبدلناهم بجلودنا الغليظة، التي لا يؤثّر فيها ماء البحر المالح، ولا شمس الجوّ الحارّة … فبهذا يرتفع النّزاع بين الحكومة والجمعيّة بسلام، ونراها أنجع وسيلة لفضّ هذه المشكلة المعقدة"(1).

الحسرة بادية في هذا النّصّ، فالكاتب يعرّض – متألّما - بهذه الأفكار السّخيفة التي تفكّر في الكماليات، وفي وسائل التّرف، في حين يرزح كثير من النّاس تحت نير الظّلم والقهر، ولا يجدون أدنى شروط العيش، وأبسط وسائل الحياة. كما يكون التّعريض في هذه الصّورة الحزينة التي قدّمها عن الاستعباد وكثرة الاعتداءات، وفظاعة التّعذيب والتّنكيل والاحتقار، المتمثّلة في صورة الحمير البشرية، التي تمتلك -بسبب الممارسات التعسّفية والاعتداءات الجسدية المتكرّرة ضدّهم - جلودا غليظة لا تؤثّر فيها الشّمس الحارّة، ولا ماء البحر المالح؛ مصداقا لقول المتنبي: "وما لجرح بميّت إيلام". إذ كان بإمكان أعضاء الجمعيّة السّياحية الأوروبية أن يفضّوا مشكلتهم المعقّدة، ويزيلوا الخلاف بينهم والبلدية بحلّ بسيط جدّا، لو استعاروا جلودنا ليقوا أنفسهم شرّ العواقب. فهذا هو التّعريض عينه.

بأسلوب التّندّر يحدّثنا أبو اليقظان عن مهزلة الانتخابات، والأسلوب الذي كانت تمارسه فرنسا في الجزائر؛ لتوهم النّاس بالحصول على حقوقهم، بينما هي تقوم بعمليّة تخديرهم وتنويمهم؛ لتلهيهم عن المقاومة والعمل الجهادي.

صوّر الكاتب ذلك في شكل قصّة قصيرة رامزة كان أبطالها فواكه وبقولا: " بما أنّ السّعادة عند علماء اللّغة والفلسفة هي الضّحك، فقد رأينا أن نتحف القرّاء بقصّة طريفة في القرن العشرين، قرن النّور والحضارة والتّمدّن والحرية، وهي أنّ البقول والفواكه اشتركت مع الإنسان في الحقوق، ودخلت معه في ميدان الانتخاب. فقد انتخب الباذنجان والفلفل والطماطم والبصل والثّوم والقرع، مع مشاركة مادة القطران معهم، وانتخبوا السّيّدة (كبوية) رئيسا، فقد أصابوا، إذ هو كبير الجسم مجوّفه، مكوّر الشّكل، فارغ الفؤاد. فنهنّئه بهذا الفوز، ونتمنّى له الانتشار، ونقول له بملء أفواهنا في بوق إسرافيل مبروك"(2).

التّنكيت والتّندر يبدوان في هذه القصّة المفتعلة الرّامزة، التي تختصر المسافة إلى الهدف، وهو فضح مهزلة الانتخابات، وتنبيه النّاس إلى عدم الوثوق بهذه الممارسات؛ لأنّها إحدى مؤامرات العدوّ ودسائسه. وقد وفّق الكاتب في اختيار فاكهة (الكابوية) لتمثّل الرّئيس، الذي وقع عليه الاقتراع؛ تنكيتا وتقريعا لمن ينحرف في سلوكه عن سواء السّبيل؛ لأنّ " الكابوية " بشكله الكبير المكوّر المجوّف الفارغ، يمثّل نوع النّاس الذين يفوزون في الانتخابات، التي تنظّمها فرنسا، وتوجّهها كيفما تشاء، وبما يتماشى مع مصالحها.

العبارة الأخيرة تعصر ما في قلب الكاتب من كمد وحسرة وألم؛ بسبب الممارسات التي تنال الأمّة في الصّميم – فهي من قبيل التّندّر والتّنكيت الأليمين-

(1) - "فلاح البستان" جريدة البستان، ع:10 (11/ 07/1933م) المقال لأبي اليقظان. ارتكب الكاتب خطأ لغويا، إذ المفروض أن يقول استبدلنا بهم جلودنا.

(2) - "مضحك" " أعجوبة آخر الزّمان" جريدة الأمة، ع:21 (19/ 02/1935) النّصّ لأبي اليقظان.

١٠٧ / ٤٠٤