دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

في هذا السِّياق، وعن ضرورة تعليم المرأة، وإعدادها بما يتناسب مع طبيعتها، وما يُحقِّق فيها أنوثتها، يقول ابن باديس عن المسلمة: «فعلينا أن نعلِّمها ما تكون به مسلمة، ونعرِّفها من طريق الدِّين ما لها وما عليها، ونفقِّهها … ».

قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلَهُنّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمَعْرُوف … ﴾ (البقرة/ 228)؛ حتَّى تعرف كيف تنشئ أبناءها على الأخلاق الإسلاميَّة؛ على العفَّة والطَّهارة والالتزام بأوامر الدِّين .... قال ابن باديس في موضع آخر وفي مناسبة أخرى: «فإذا أردنا أن نكوِّن رجالا؛ فعلينا أن نكوِّن أمَّهات دينيات، ولا سبيل لذلك إلاَّ بتعليم البنات تعليما دينيا، وتربيتهنَّ تربية إسلاميَّة، وإذا تركناهنَّ على ما هنَّ عليه من الجهل بالدِّين، فمُحال أن نرجو منهنَّ أن يكوِّنَّ لنا عظماء الرِّجال. وشرٌّ من تركهنَّ جاهلات بالدِّين إلقاؤُهنَّ حيث يُربَّين تربية تُنفِّرهنَّ من الدِّين، وتحقِّره في أعينهنَّ؛ فيُصبحْنَ ممسوخات لا يلدن إلاَّ مثلهنَّ … ».(1)

بناءً على ذلك أشار ابن باديس -كما بيَّن حين تحدَّث عن الرَّجل المسلم الجزائريَّ - إلى أنَّ الجزائريَّة هي التي تُعَرف: «بدينها، ولغتها، وقوميَّتها، فعلينا أن نعرِّفها حقائق ذلك؛ لتلد لنا أولادا منَّا ولنا، يحفظون أمانة الأجيال الماضية للأجيال الآتية، ولا ينكِرون أصلهم، وإن أنكرهم العالم بأسره، ولا يتنكَّرون لأمَّتهم، ولو تنكَّر لهم النَّاس أجمعون».

ويقول أيضا إنَّ الطَّريق الموصل إلى هذا: «هو التَّعليم: تعليم البنات تعليما يناسب خِلقتهنَّ ودينهنَّ وقوميتهنَّ، فالجاهلة التي تلد أبناء للأمَّة يعرفونها مثل أمَّهاتنا - عليهنَّ الرَّحمة - خير من العالمة التي تلد للجزائر أبناء لا يعرفونها، تعليم كلِّ واحد لأهله بما عنده من علم».

هذا هو الرَّجل المسلم الجزائريُّ، وهذه هي المرأة المسلمة الجزائريَّة التي تُعِينُه على تحقيق ذاتيته، والمحافظة على هُويته في فلسفة الشّيخ عبد الحميد، ابن باديس. فلنتأمَّل في هذه الفلسفة، ولنقرأ في هذه التَّوجيهات، ولنقارن بين هذه النَّظرة وما أنتجته، وما نَتبنَّاه نحن اليوم، وما نمارسه، وما أَفْرَزَ وأَنْتَجَ لنا؛ لنعرف حقيقة ما قدَّمناه وما قمنا به. ثمَّ لنقوّم جهودنا ومسيرتنا، ونختبر مفاهمنا وفلسفتنا وتفكيرنا في مجال التَّربية والتَّكوين والإعداد، ولنعرف هل النِّظام التَّربويُّ الذي رسمناه، ونُعيد رسمه باستمرار يعكس بالفعل الأهداف التي تصبو مبادئنا إلى تحقيقها؟ لأنَّه كما يقول الأستاذ سليمان الشَّواشي: «فمناهج التَّربية في أيِّ بلد من البلدان تعطينا فكرة واضحة عن حياة الأمَّة وأسلوب عيشها؛ وهي في النِّهاية تبرز لنا بوضوح مقوِّمات حضارتها وخصائصها التي انفردت بها»(2).

يختم ابن باديس حديثه بقوله: «ويوم نسلك هذا الطَّريق في تعليم المرأة، والطَّريقَ السَّابق في تعليم الرَّجل سلوكا جِدِّيًّا نكون ـ بإذن الله ـ قد نهضنا بهما نهضةً صحيحة نرجو من ورائها كلَّ خير وكمال».

باتنة يوم الخميس: 20 من شوال 1417هـ 27 من فيفري 1997م

الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي شاعر الإصلاح(3)

مقدّمة

إنّ الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي(4) متعدّد النّشاط والجهاد، فهو ضليع في ميادين الشّريعة ومصادرها. وهو مرشد ومربٍّ، يؤدّي رسالة المعلّم

(1) - مجلّة الشّهاب، ج8، م11.

(2) - مجلّة العلم والتّعليم، ع: 23، س: 3، ص: 24.

(3) - قدّم البحث في الأيّام الدّراسيّة العلميّة والوطنيّة، حول فكر الإمام الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي، التي أقيمت في مدينة بريّانن ولاية غرداية، الجزائر. أيّام: 21 – 23 مارس 2002م.

(4) - الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي، الملقّب (بالبكري) (1319 - 1406هـ/ 1901 – 1986م)، عالم من علماء الجزائر المرموقين، ركن أصيل من أركان الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة، عضو جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، فقيه ومربٍّ وأديب ومؤرّخ، ومؤلّف ومحقّق … له نظرات مهمّة في التّعليم بخاصّة. من مؤلّفاته: فتاوى البكري في أربعة أجزاء. مسيرة الإصلاح في جيل. ميزاب منذ مائة عام. قواعد الإسلام للشّيخ إسماعيل الجيطالي (تحقيق). كتاب النّيل وشفاء العليل للشّيخ عبد العزيز اثّميني (تحقيق) …

١٣٧ / ٤٠٤