دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

متى تستلذّ الأرضُ دفءَ عقيدتي … وأسحب ظلّي في سناها معطّرَا؟(1)

اختار الشّاعر كلمات فيها حرارة وعاطفة وحنان (تستلذّ، دفء، ظلّ، معطّر) ليضفي على التّعبير روحًا وجدانيّة. تعين على التّعبير الدّقيق المبين، ثمّ التّأثير القويّ الكبير.

الّلوان البياني الذي نسج به الشّاعر هذه الأبيات، فقدّم مضمونًا فكريًا كبيرًا، وبنى صورة فنّية رائعة بديعة الجناس (لحانا وحبالا)، الذي ولّد به معنى لطيفًا، ونبّه إلى خطورة الاهتمام بالمظهر على حساب المخبر، والظّهور أمام النّاس بما يتناقض مع ما يموج في الصّدور.

المقابلة الضّمنية بين امتلاء الوجه باللّحية، وخلوّ القلب من الإيمان والعقيدة (وكان القلب أمرد أصفرَا)، وتصوير القلب باللّون الأصفر، الذي يشير إلى الجدب والقفر والخواء، مقابل اللّون الأخضر (الذي لم يذكره الشّاعر، وإنّما يفهم مِمَّا يقابل اللّون الأصفر)، الذي يرمز إلى الامتلاء والخصب والنّماء، وهو ما تمثّله العقيدة. هذه المقابلة يقرؤها المتلقّي بدقّة ويفهمها؛ إذا أدرك أبعاد هذه الإشارة، بعقيدته التي تملأ قلبه … وبذلك يكتشف ويدرك الرّوعة الفنّيّة والفكريّة ا اللّتين تضمَّنهما البيت.

إذن حين تنعدم العقيدة في القلب، وتفقد في حياة النّاس، فإنّهم يسيرون نَحو العدم، وينحدرون إلى الفناء. يقول مصطفى الغماري:

حين تجفونا العقيدهْ … يرتوي منّا العدمْ

(1) - عيسى لحيلح، وشم على زند قرشي (ديوان شعر)، ط1، دار البعث للطّباعة والنّشر، قسنطينة، الجزائر، 1405هـ/ 1985م، ص: 10.

٢٣١ / ٤٠٤