دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ٩٧

لا حرق ولا خنق، ولا تبديد ولا تشريد، ولا ولا … ولا أرى هذه الصّفات في أبناء آدم، اللّهم إلاّ في الخسائس والتّوافه، وما فيه نزهة إبليس … "(1)

من هذه المقلقات والمنغّصات نقف على الإشارات النّفسيّة، والومضات الشّعورية التي كشفت عنها هذه الرّموز المنتقاة من عالم الجراد، التي هي لذعات وانتقادات، ودعوات ونداءات إلى الإفاقة والنّهوض والعمل على التّغيير. وقد لاحظت أنّ أبا اليقظان أكثر من الحديث عن الجراد، والرّمز بواسطته إلى مجموعة من الأفكار، وبخاصّة في جريدته " البستان ". هذا التّوظيف في حاجة إلى تأمّل.

لكي ينتقد الكاتب مواقف الانهزام ومواقف الخيانة للوطن، الصّادرة من بعض من كان يسخّرهم الاستعمار لخدمة أغراضه. وفي الوقت نفسه يعرّض بسياسة العدوّ العاملة على خنق حريّة المواطنين. في سبيل ذلك يلجأ إلى حوار يجريه مع عصفوره: " سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري، وكان العصفور ذكيًّا شيطانًا، فأجابني عنه بِما أقنعني، وتركني باهتًا لإصابة نظريته، وهو: لماذا تكره النّياشين إذا رأيتها معلّقة على صدور ذوي اللّحاء والبرانيس بأنواعها؟

- عصفوري: نعم أكره هذا، أكثر من رؤيتي الصّيّاد وعلى كتفه بندقيته يقنصني.

- ولماذا؟

- عصفوري: لأنّ هذه النّياشين الحمر تذكّرني - بلونها الأحمر - بجريان الدّم في رقاب وحواصل أخواتي العصافير المذبوحة بيد الصّيّاد، ولهذا أتشاءم منها كلّما رأيتها، وسمعت منها.

- فقلت: صدقت والله أيّها العصفور الحرّ، فلتعش حرًّا طليقًا؛ رغمًا عن الإنسانيّة المعذّبة … "(2)

(1) " مغفل" (أبو اليقظان)، " مقلقاتي "، جريدة البستان، ع: 6، (06/ 06/ 1933م). -

(2) 1 - فلاّح البستان (أبو اليقظان)، " صدقت والله"، جريدة البستان، ع: 8، (20/ 06/ 1933م).

٩٣ / ٤٠٤