دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٩٦وعدم الاستسلام لإرادة العدوّ وتعسّفه. إذن إنّ النّصّ إلى جانب ما يحمله من أمارات التّوبيخ واللّوم والسّخرية، فإنّه يتضمّن دعوة خفية إلى مواصلة المقاومة والجهاد.
داء عدم الثّبات الذي أشار إليه " مغفّل" أورث خلالاً سيّئةً، وأوجد روحًا مريضة، صرفت النّاس والمسلمين عن الفضائل الحسنة، وأدّت ببعضهم إلى الانسلاخ من جميع المعاني القوميّة والخلال الإسلاميّة: " أصبح بعض المحترمين منهم، لا يتحرّج من أن يصرّح في النّاس يقوله: إنّه لا يهمّنا شيءٌ من أمر الدّين والعربيّة والتّعليم؛ لأنّنا سياسيّون، ولا نريد أن نقدّم شيئًا على السّياسة قبل أن تتحقّق أهدافنا."(1)
هذا ما جعل أبا اليقظان يركّز على هذه النّقطة، ويقدّم حسرته وألمه بهذا الأسلوب المركّز الملمّح المعرّض؛ حتّى يخز القلوب، ويمسّ المشاعر مسًّا موجعًا، عساها تتحفّز لاستدراك الأمر، وفي الوقت نفسه يحتال على العدوّ؛ بإخفاء حقيقة ما يدعو إليه. وأسلوب المغافصة واستغفال العدوّ من أهداف السّخرية، لهذا يوغل الكاتب في عالم الخيال، ويستبطن حياة الجراد ويستلهمهما ليوجّه بعض الانتقادات لما يحدث من مساس بالشّخصيّة والأصالة، ولما ينال من كرامة الفرد ومقوّماته، فقال: " يقلقني أن يتسرّب الجراد حتّى للحدائق والبساتين والمساجد ودكاكين الحلاقة، فيأتي على الأخضر والأكحل والأحمر والأصفر، ولا يترك إلاّ أرضًا جرداء وذقونًا قاحلة …
يقلقني من هذا الجراد عناده وإصراره وثباته وسيره دائمًا وأبدًا إلى الأمام، وانقياده إلى زعمائه ورؤسائه أنّى ساروا، وأينما توجّهوا، ولا يثنيهم عن عزمهم،
(1) - الحفناوي هالي، " عرب ولكن بدون عروبة "، جريدة البصائر الثّانية، (ج. ع. م. ج)، الجزائر، ع: 41، (28/ 06/ 1948م).