دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ٩٩التّسمية والتّصريح. لكلّ ذلك كان تعريض الكاتب هادفًا للتّنديد بالتّصرّفات المشينة المُهينة، وحاملاَ لآيات الاحتقار والازدراء والاستهزاء.
كما وجّه أبو اليقظان سخريته لنقد الأوضاع الاجتماعيّة التي تفشّت في المجتمع الجزائري، وكان في هذا التّناول إضحاك وتهكّم ولذع وإيلام واحتقار – أحيانا- للجهة التي صدرت منها تصرّفات لا تتناسب مع المكانة أو الهيئة المحترمة التي تتّصف بها. وقد هدف الكاتب من هذا التّناول السّاخر إلى الإصلاح والتّقويم، وأداء واجبه الاجتماعي بصفته أديبا له رسالة يؤدّيها بأيّة وسيلة يراها مناسبة وملائمة. والسّخرية الفنّية الهادفة تستطيع القيام بهذا الدّور؛ لأنّه كما يقال: "حين تتّسع الانحرافات الفردية والاجتماعيّة، وتتفشّى مظاهر الفساد والقهر، تستخدم السّخرية وسيلة للإصلاح والتّقويم، وتقوم بفعل القصاص والعقاب، كما تقوم بتخفيف أعباء الانفعال، واستهلاك الكميّة الفائضة من التّوتر"(1).
كتب أبو اليقظان على لسان "الحاج محرّم" جوابا مغلوقا، أرسله إلى مدير جريدة البستان، يسرد له فيه مجموعة من الأمراض والآفات الاجتماعيّة، التي انتشرت في المجتمع بشكل فظيع. سجّل له فيه لومه على تهجّمه عليه (أي على شهر محرّم) الذي يحلّ على النّاس كلّ عام، فيحتفلون به، دون أن يفقهوا حقيقة ما يقومون به، ولا يعرفون أن "محرّم" يمثّل الطّهر والأمانة، واتّباع شرع الله، والانتهاء عمّا نهى الله، فيحتفلون به والأمراض الاجتماعيّة والمحرّمات والمنكرات تملأ حياتهم.
كأنّي بمدير الجريدة يلوم هذا الشّهر، أو يتندّر به، وبمجيئه والعالم على تلك الحال، فيجيبه، أو يسأله "الحاج محرّم" هل النّاس تغيّروا أم أنا الذي تغيّرت؟! أنظر إلى ناس القرن الأوّل والذي يليه، والذي يليه، كيف هم في التّقى والفضيلة والمروءة والعفّة والغيرة، إلى غير ذلك من الأخلاق الإسلاميّة التي عدّدها له. ثم
(1) - د. شوقي محمد المعالمي، الاتّجاه السّاخر في أدب الشّدياق، مكتبة النّهضة المصرية، القاهرة، سنة 1988، ص: 307