الإباضية من مصادرها
الجزء ١ · صفحة ١٣٧137
الفصل الثالث: الفكر العقدي الإباضي
4 - مرتكب الكبيرة
للظروف الاجتماعية تأثير في نشأة الفرق بقدر ما للأسباب الدينية من تأثير؛ وذلك لأن الاحتياجات تستصحب معها التشكلات الدينية والسياسية. وقد كانت مسألة مرتكب الكبيرة على رأس المشاكل التي وضعت المسلمين في موقف صعب في الماضي؛ فقد أدى انسحاب فرقة الأزارقة إحدى فرق المحكمة إلى الأهواز ودعوتها المسلمين للالتحاق بها والخروج على الدولة، واعتبارها كل من لم يلتحق بها كافراً، ولجوءها إلى العنف ضد الناس إلى سخط كبير في المجتمع. إذن كل ذلك موقف الأزارقة هذا مذكور في كتب المقالات ومسند للخوارج عامة ولكن الواجب يقتضي أن ينسب إلى الأزارقة بشكل خاص. لأنه إذا نظرنا إلى كتاب المقالات سنجد أنَّ الخوارج يعبّرون عن هوية عليا لفرق كثيرة ومتعددة. ولأنَّ الحديث عن إجماع جميع الفرق على نفس الرأي في جميع المسائل، فإن شرح كل فرقة على حدة والحديث المباشر عن الفرقة المنسوب إليها الفكر بعينها دون التعميم على الخوارج أصوب وأدق. فبالقدر الذي كان رأي الأزارقة الذي يعتبر العمل جزءاً من الإيمان موجهاً لإثارة المجتمع، كان رأي المرجئة
(742)
هذه
موجهاً لطمأنة وتهدئة المجتمع. ويرى الأزارقة أنه ليس كل ذنب يوقع الشخص في الكفر. فمرتكب الذنب إن مات دون أن يتوب فسوف يخلد في نار جهنم. وفي المقابل تدعي المرجئة أنَّ الشخص من أهل الإيمان يبقى وصفه مؤمناً سارياً حتى وإن ارتكب الذنوب قائلين: " كما أن الطاعة لا تفيد في حال وجود الكفر، فإن الذنوب لا تضر في حال وجود الإيمان".
وفي حين يقول الأزارقة بشرك مرتكب الكبيرة والمعتزلة بفسقه، والمرجئة بإيمانه، تنسب الإباضية إليه كفر النعمة. وحسب العقيدة الإباضية فإن الله جل في علاه نهى عن المعصية وأمر بالطاعة، وهو الذين يبين الطاعات والمنكرات. وكل شيء فيه طاعة الله هو إيمان، ولكن ليست كل معصية كفراً.
(743)
وعليه فهم في مسألة الكبيرة لا يكفرون كما فعل الأزارقة، ولا يغضون الطرف عن الكبائر المقترفة كما فعلت المرجئة. بل ويشترطون التوبة على مرتكبي الكبائر للغفران، وما يسمونه بكفر النعمة يتوافق شيئاً ما مع تعريف الفسق الذي طرحته المعتزلة. فإنَّ المعتزلة لا تري تعبير کافر مناسباً من الناحية اللفظية فتستخدم مكانه تعبير فاسق. لقد توقف الربيع بن حبيب (175\ 791) كثيراً عند مسألتي مرتكب الكبيرة، وعلاقة الإيمان