فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الجزء ١ · صفحة ١٩المقدمة
-> 19 <-
ولم تكن عناية الإسلام بالفقراء من أفراده عناية نظرية شكلية سطحية، تتمثل في تعاليمه وحنّه وترغيبه بالإنفاق على الفقراء، ومساعدة المساكين والحنو على المحتاجين فحسب؛ بل جعل ذلك من أول أركانه، وخاصة أسسه، وصلب أصوله، وذلك حين فرض فرضا واجبًا للفقراء وذوي الحاجة حقا ماليا ثابتا في أموال الأغنياء، يكفر جاحده، ويُفسَّق معطله والهارب منه، ويؤخذ بالقوة والسلطان ممن منعه وتشن الحرب لاستيفائه على من منعه وجحده وأبي دفعه وتمرد.
وفي هذا رفع للمعاناة عن المحرومين، وردم للهوة الفاصلة بين طبقتي الأغنياء والفقراء؛ حتى لا يحس أولو الخصاصة بالجفوة والحرمان ولا تعتمل في نفوسهم نوازع الحقد بسبب شعورهم بضيق العيش ومكابدتهم لأواء الحياة، مع ما يرون فيه أهل اليسر من رغد العيش ونعيمه، فإن الأخذ بهذه الوصايا الربانية واتباع هذا النهج المستقيم يصل قلوب الأغنياء والفقراء بعضها ببعض، فقلوب الأغنياء تفيض بالرحمة تجاه إخوانهم الفقراء؛ حتى لا يهنأ لهم عيش ولا يهدأ لهم بال إلى أن يغمروهم بفيض من البر والإحسان، يذهب بما بهم من الشدة، وقلوب الفقراء تتدفق بالحب والولاء تجاه إخوانهم الأغنياء، فلا تلبث ألسنتهم أن تلهج