إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٠وللموضوع أهمية أخرى تتمثل في كونه يملأ فراغا في المكتبة التاريخية
التونسية الحديثة التي تشكو قلة الدراسات التي تتناول قضايا الحياة الدينية والمذهبية. ويبدو هذا الفراغ أكثر بروزا إذا ما قارنا وضع المعرفة في هذا الميدان بالبلاد التونسية بما هو موجود في المغرب الأقصى الذي انصبت عليه البحوث في هذا المجال. ويمكن القول أن الأستاذ المريمي أعطانا في هذا الكتاب أحسن ما كتب إلى حد الآن عن التفكير الإباضي وعلاقته بالمذاهب الأخرى في الجزيرة من جميع الأوجه: السياسي والاجتماعي والعقائدي مع ثراء كبير في التحليل. والكتاب يعطينا أيضا ما نحن في حاجة إليه لاستكشاف متانة الحياة الجماعوية المستندة إلى تفكير الإباضي. إذ يتناول الموضوع إحدى أهم مظاهر الحياة الجماعوية التي عرفتها البلاد التونسية خلال العهد الحديث. وهي فترة تحول عميق تجلت ملامحه على المستوى المركزي وكذلك على المستوى المحلي بجربة وبالنواحي الأخرى داخل البلاد التونسية. لذلك كان السؤال الذي يخترق البحث هو كيف كانت العلاقة بين مركز يعمل على إرساء أسس الدولة الحديثة ونفوذ محلي في جربة يستند إلى حياة جماعوية متينة متخذا في ذلك المذهب الإباضي كخطاب لتدعيم استقلالية المجموعات المحلية وهياكل تنظيمها؟
تلك
اعتمد في بحثه منهجية مطابقة لما ينجز في الكتابات التاريخية الجادة التي تشهدها المدرسة التاريخية التونسية الناشئة منذ ثلاثة عقود خلت. وهي الكتابات التي تتميز بالصرامة المنهجية والمقدرة على تحليل الواقع التاريخي. فالدراسة التي هي بين أيدينا مجددة لا فقط فيما يتعلق بالمعرفة التاريخية المتصلة بالجزيرة لكن أيضا فيما يتعلق بالمنهج التاريخي الجديد. فرغم الصبغة الجهوية لهذا البحث فإن المؤلف حرص على أن لا يكون بحثه مجرد دراسة مونوغرافية تقليدية، فلم يطغ عليها التوجه المحلي. إذ عرف كيف يجعل من دراسة المحلي منطلقا لمعرفة الكل والآخر وخاصة للإجابة على تساؤلات لها بعد أوسع تساعد على إدراك طبيعة الحياة الجماعوية بصورة عامة. فقد عرف بسمات الحياة الجماعوية بجزيرة جربة، فدرس الاجتماعية التاريخية للجماعة من خلال تجربة
10