إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٩٧آنذاك نتائج على انتقال أسواقها نحو الشمال. وقد حافظ آل بن جلود الذين كانوا يقطنون والغ على مكانتهم في الأسواق الجنوبية التقليدية.
ونحن نفترض أن أسواق سدويكش وأبران كانت في الأصل من منجزات نظام العزابة في الجزيرة وقد تكون سلطة المخزن وضعت يدها عليها وفرضت أكرية على حوانيتها متى سمحت لها موازين القوى بينها وبين هياكل النفوذ المحلي بذلك. وتكتسي لزمة الأسواق الموظفة على سوق سدويكش وسوق أفران إلى جانب صبغتها المالية والجبائية صبغة سياسية ومذهبية تتمثل في سعي المخزن (السني) إلى وضع يده على المنشآت العامة في دواخل الجزيرة العامرة بالأباضية وخاصة الوهبية واختراقها بخلق رموز له واستغلال ضعف هياكل النفوذ المحلّي و لا سيما هياكل نظام العزابة.
خ) الأداءات غير العادية
الدية
الدية أداء لتعويض الدم وهي ضريبة من الضرائب الشرعية ترجع إلى عهد ما قبل الإسلام وأثبتها الشرع فيما بعد (221). ويميز جمال بن طاهر بين الدية السياسية كما طبقت في العهد العثماني في الإيالة التونسية والديّة الاصطلاحية كما جاءت في الأحكام الشرعية وجعل من الدية قانونا سياسيا ذا صبغة ردعية يمكن السلطة المركزية من مداخيل مالية (222).
ويذكر كل من عبد الحميد هنية وجمال بن طاهر استنادا إلى محفوظات الأرشيف الوطني التونسي أن الدية السياسية كقانون ردعي يرجع تطبيقها إلى النصف الثاني من القرن السابع عشر تاريخ هيمنة المراديين على السلطة في الإيالة التونسية (223).
أما فيما يخص جزيرة جربة فإن الأتراك العثمانيين سلطوا على أهلها ديات ذات صبغة ردعية منذ الفترات الأولى من بسط نفوذهم عليها ولم يتم تغلغل ذلك النفوذ فيها بعد ويفيدنا سليمان الحيلاتي أنه في سنة 978 هـ (=1570 - 1571 م) ألقى جعفر باشا على جربة دية كبيرة (224) وامتد حكمه على إيالة طرابلس بين سنة 1569 وسنة 1581 (225). ووظف الأتراك الدية السياسية على المجموعات
197