إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢١٥

الإسلام لتخليص الديار التونسية من النصارى ومن دار الحرب». ولم يبال الأتراك العثمانيون بتعدد الفترات المرجعية التي استندوا إليها إذا ما وظفوا ضرائب موازية على مصدر واحد من ثروة أهل جربة أو على أملاكهم (مثل الأرض) أو عندما وظفوا على المادة الإنتاجية الواحدة العديد من الضرائب (مثل الزياتين لأنهم جعلوا من المرجعية التاريخية التي اعتمدوا عليها في الميدان الفكري والديني مرجعية قوية مكنتهم من حق الامتلاك الضمني للأرض في جربة وتشريع جهازهم المخزني من خلال ماضي مزدوج: ماضي العثمانيين والفترة التأسيسية للإسلام.

واختلفت نظرة الإباضية للمادة الجبائية اختلافا تاما عن نظرة الأتراك العثمانيين لها بما فيهم الحسينيين ولم يتخذوا من الفترة التأسيسية للإسلام مرجعا تاريخيا ودينيا وفكريا لرؤيتهم لها. ولئن لم نتمكن من العثور على وثائق إباضية تدلنا على موقف «أهل جربة أو غيرهم من الإباضية من المادة الضريبية خلال العصر الحديث إلا إننا نعلم أن أهل جربة كانوا من أوائل ممن استبشروا بميلاد «الدولة» الرستمية في المغرب الأوسط (160 ـ 296 هـ = 776 ـ 2 - 909 م) وبايعوا عبد الرحمان بن رستم كما فعل أغلب الجنوب والوسط في بلاد المغرب الأدنى آنذاك. ولم يكن بنو رستم حينئذ يجمعون الأموال أو يفرضون الضرائب على الناس وإنما كانوا يجمعون الزكاة على طريقة النظام الإسلامي (277). ويتناقل إباضية جربة إلى اليوم الأدلة على تورعهم عن أن يمدوا أيديهم إلى ما فيه شبهة من أموال المسلمين من ذلك هجوم قبيلة ورفجومة الصفرية على القيروان واستباحتهم لأعراض أهلها وأموالهم ثم استغاثة أهلها بإمام طرابلس أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري وإغاثته إياهم وانهزام الصفريين أمام جيشه ثم عودته إلى طرابلس دون أخذ شيء مما خلفوه ومن ذلك أيضا هجوم ابن طولون بجيشه على طرابلس هازما الأغالبة واستغاثة طرابلس بأبي منصور الياس والي نفوسة من قبل الرستميين وإعانتهم وهزم جيش ابن طولون ورجع إلى مقره مع جيشه دون أن يلحقهم دانق أو ثوب من متاع ابن طولون» (278) وتنظر إباضية جربة انطلاقا من ذلك إلى مثال السلطة المركزية ورموزها في الجهات على أساس أنها تغيث دون كسب فيء أو غنيمة على غرار إمام طرابلس ابن الخطاب عبد الأعلى ووالي نفوسة أبي منصور الياس ولا يلحقها إلا ما لحق عبد الرحمان بن رستم من الجهات.

215