إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

الله في صمت كسائر الصدقات ويجوز أن تكون شجرة أو جبلاً أو نهراً أو أرضاً للثواب (343) فكان التحبيس على المساجد الإباضية في جربة خلال الفترة التي تهمنا إجراء سريا في أغلب الحالات يهمّ علاقة الفرد بالمجموعة التي ينتسب إليها وتتكفل هياكل النفوذ المحلي (وفي الحالة التي نتحدث عنها نظام العزابة) بضمانه من حيث المحافظة عليه والتصرف فيه ولا يثبت في وثائق رسمية إلا متى لم يعد هناك ضامن فيه غير السلطة المخزنية ولم تكن هذه الإستراتيجية الفقهية والسياسية بمعزل عما كان يدعو إليه الفقهاء المالكية من وجوب إبطال الأحباس الإباضية فكانوا يحثون السلطة المركزية ومن يتولاها على مقاومتها. ويذكر الونشريسي المتوفى في فاس سنة 914 هـ (= 1508 - 1509 م): «إن القيام على هؤلاء (الأباضية) واستتابتهم من الأمور اللازمة لمن ولاه الله الحكم وأحباسهم يجب إبطالها إذا كانت على من يتمذهب بمذهبهم (344). وكان يوفر التحبيس عن طريق ملكية السجيل مميزات عديدة هامة منها: المساهمة في أوقاف مساجد الإباضية عن طريق السجيل لم تكن تؤدي إلى الحفاظ على الملكية العقارية لصاحبها فقط بل كانت تمكّن أيضا من الناحية الدينية إدخال تلك الملكية أيضا بمختلف أشكالها إلى العالم الديني الإباضي بما فيه من عالم مقدس وعالم مدنّس وبالتالي انصهار الفرد في المجموعة الدينية التي ينسب إليها. ويمكن التحبيس عن طريق ملكية السجيل أيضا من مساهمة أكثر ما يمكن من الأفراد (كل حسب إمكانياته بما فيهم ضعفاء القوم في ثروة المجموعة وهو ما يجسد على المستوى السياسي دعم هياكل النفوذ المحلي لتلك المجموعة التي ينسب إليها الفرد المحبس وسمحت ليونة ملكية السجيل من أن تبقى للفرد المحبس إمكانية متابعة محبسه حيث يبقى ذلك العقار داخل الملكية الأصلية. ومكنت خصوصيات ملكية السجيل المتعددة الأحباس والموقوفة على مساجد الإباضية من أن تبقى خارجة عن عيون الهياكل المخزنية إما جزئيا (مثلما كان الامر بالنسبة إلى جامع القشعيين في أمثلتنا السابقة أو كليا (مثل وقف زاوية الساطوري) إلى أواخر العهد التركي والبعض منها إلى عهد الحماية. وليس هناك ما يدل على انتقال أوقاف مسجد برزين إلى المالكية لما أصبح خاصا بالغرباء (جامع الغرباء) خلال العهد الحفصي أو قبله (345). ولم يكن الإباضية يتراجعون في الأحباس التي أوقفوها على مساجدهم إلا متى أصبحت بأيدي هياكل النفوذ المركزي. فلقد رفض محمود بن يوسف خشة الشهباني من سكان حومة فاتو تسليم

236