إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

المالكيين والأتراك الحنفيين واعتبر هؤلاء وأولئك رموزا للسلطة المركزية. ووجه جميعهم عنايتهم إلى الأرض التي كانت مصدرا من مصادر الثروة لسكان جربة وتهافت عليها الجميع لأن امتلاكها يعتبر عنصرا هاما من عناصر تجذر الفئات المستقرة حديثا في الجزيرة، ويهمنا أن نتساءل كيف أمكن لليهود تبرير ملكيتهم على أرض جربة وما هي المستندات الدينية والفكرية والتاريخية التي طالبت من خلالها الأقلية الموسوية بحقها في التملك بالجزيرة وضمنت حماية أرضها من الأخطار المحدقة بها؟

نشير أولا إلى أننا لم نتمكن من الحصول على وثائق تاريخية تتعلق بيهود جربة فلقد بقيت تلك الفئة الاجتماعية منذ عدة قرون (وإلى اليوم) منغلقة على نفسها في عديد المجالات يسيطر عليها رجال الدين/ الأحبار شأنها في ذلك شأن المجموعات الإباضية نفسها. وتزعم الرواية الشفاهية الشعبية للفئات الإباضية اليوم أن اليهود قصدوا أثناء دخولهم للجزيرة المنطقة الساحلية واستقروا فيها وحملهم الإباضية على الانتقال من هناك إلى المناطق الداخلية لإبعادهم عن خطر «العرب» في البر الكبير وحمايتهم منهم وأصبحوا موزعين فيما بعد بين الحارة الكبيرة المجاورة لحومة السوق (وتعني لفظة الحارة في العامية التونسية «الحومة» أو الحي الذي يقطنه اليهود والحارة الصغيرة التي كانت تسمى داغت أي المدخل أو الردهة (372). وتوجد كلتا الحارتين داخل المنطقة الوهبية التي بقي أصحابها يمثلون أغلبية سكانية في جربة ويمسكون بهياكل النفوذ المحلي على امتداد العهد العثماني وحتى قبله بكثير. وتفيد هذه الرواية اعتراف الفئات الإباضية في الجزيرة بحق أقلية اليهود في امتلاك الأرض به والاستقرار بالجزيرة وهو إقرار ضمني بحقوق وواجبات كل طرف على الطرف الآخر وفقا لما أقره الشرع الإسلامي. ويروي F.ALLOUCHE في نص يرجع تاريخه إلى سنة 1931 رواية نقلها عنه FREUND الألماني سنة 1989 ورد فيها ما يلي:

كانت كامل المنطقة المحيطة بالغريبة يسكنها على ما يبدو يهود جربة وقد حاول قائد مسلم ذات يوم تشتيت المجموعة اليهودية وتحويل الغريبة إلى جامع ولكنه لم يفلح، فقد كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى جفاف هذه المنطقة الخصبة بالمياه الجوفية في ظرف بضعة أشهر. وقد شاهد القائد العربي منابع المياه تجف

243