إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤الواحدة تلو الأخرى والمواشي تهلك ورجال عشيرته يموتون الواحد بعد الآخ مصابين بداء إلهي خفي وقد كان هذا القايد على درجة كافية من الفطنة ليتنبه إلى أن في ذلك إنذارا من الله القوي القدير فبادر مسرعا إلى إعادة البيعة والأراضي المحيطة بها إلى يهود جربة محققا بذلك رضا الجميع ومنذ ذلك العهد أصبحت الغريبة» موقع حجّ لليهود والمسلمين ولكل ذي عقيدة ويروى أن العديد من المرضى قد منوا بالشفاء إلى جانب تحقق العديد من المعجزات من القبيل» (373).
ديس
(374)
هذا
لم تكن هذه الرواية وثيقة من وثائق الأرشيف ولا هي نص صادر عن أحد الإخباريين اليهود أو غيرهم من مخبري العصر الحديث بل هي شهادة شعبية تناقلها يهود جربة جيلا بعد جيل في شكل أسطورة ولم تكن الأسطورة الوحيدة الخاصة بفئة اليهود هناك. وتقع الغريبة في حومة بني ديغت من قسم بني ولم تكن الغريبة البيعة الوحيدة بالنسبة إلى يهود جربة إذ يشير UDOVITCH و VALENSI أن الحارة الكبيرة وحدها كانت تعد إحدى عشرة بيعة (375) ولم تكن الأسطورة التي يرويها F. ALLOUCHE الأسطورة الوحيدة التي اتخذت من بيعة الغريبة محورا لها بل تتحدث أساطير أخرى عن الفتاة القديسة التي كانت تدعى الغريبة عاشت في الجهة ودفنت في موضع الغريبة حاليا وقد تكون قدمت من البحر حاملة على صدرها لفائف التوراة وما أن وصلت إلى الجزيرة منهكة القوى حتى ماتت فأقيم لها عند مكان وفاتها ذلك المعلم ومهما يكن الأمر فإنّه من الطبيعي أن تتعدد الأساطير والروايات الضامنة لحياة فئة اجتماعية بقيت على امتداد العصر الحديث وقبله متميزة في محيط اجتماعي مختلف عنها. وإذا ما سلّمنا برواية F.ALLOUCHE يمكن أن نلاحظ أن أسطورة الغريبة الواردة في نصه اتخذت من النظام العقاري الذي يهمنا محورا
لها.
(376)
وعندما ندرس هذه الأسطورة من الداخل نلاحظ أنها كانت تخضع لمنطق منسجم وتتعاقب أحداثها تباعا. اتخذت الأسطورة من المنطقة المحيطة بالغريبة الإطار الجغرافي لها وقد لا تكون تلك المنطقة سوى الحارة الصغيرة التي يسكنها اليهود إلى اليوم وتضم معلم الغريبة نفسه والمناطق المحيطة به وكانوا يتعاطون فيها الأنشطة الفلاحية وكانت مزدهرة في إنتاجها وأراضيها سقوية
244