إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥بفضل مياهها الجوفية وتستمد توازنها الطبيعي والبشري من بركة» الغريبة وقدرتها القدسية وكانت «البركة» محل عقيدة (377). ولم تتضمن الأسطورة إطارا زمنيا محدودا واضحا فظهر يهود جربة من خلالها كفئة اجتماعية متجذرة في واقعها قديمة الانتصاب في محيطها منسجمة معه هادئة في حياتها ولم يختل توازنها هناك إلا حين حاول قايد افتكاك المنطقة المحيطة بالغريبة من أصحابها اليهود وتحويل البيعة إلى مسجد.
وعند دراسة هذه الأسطورة من الخارج نلاحظ أنها جعلت من يهود جربة مجموعة سكانية تناقض وجودها «العرب» كمجموعة جغراسياسية كان يقودها «القايد». واعتبروا «العرب» من أتباعه كما تقدمهم الأسطورة في شكل قبائل بدوية من خلال استعمالها للفظة دوار» وكانت تعتبرهم المجموعات المحلية بما فيهم اليهود أنفسهم من ناحية السلم الاجتماعي من فئة «الغرباء» وتنسى» الأسطورة ذكر «البربر) من أصحاب التفكير المذهبي الإباضي الذين كانوا إحدى الفئات الاجتماعية التي يتكون منها سكان الجزيرة والتي كانت تربطهم بفئة اليهود عقود تاريخية ودينية قديمة وتجسد تناقض يهود جربة مع العرب» من المسلمين في تغيير اللوحة التي تمثل المنطقة المنتزعة من اليهود فبمجرد انتقالها إلى القايد وأتباعه تنقلب معطياتها رأسا على عقب وتفقد توازنها الطبيعي والبشري وكان لتأثير بركة الغريبة على المنطقة ظواهر ملموسة جدا هي علاماتها الخارجية ولعبت دور الواسطة بين اليهود والعالم المقدس. وسنحاول بالاعتماد على مؤشر مؤسسة القايد التي تضمنتها الأسطورة أن
نؤرخها ونتعرف على الأقل على الفترة التي حبكت خلالها خيوطها. نعلم من الناحية التاريخية أن مؤسسة القايد يرجع ظهورها إلى أواخر العهد الحفصي في إفريقية (378). ودخلت تلك المؤسسة إلى جربة مؤقتا خلال القرن 16 لما عين درغوث باشا الغازي مصطفى قايداً على الجزيرة في سنة 968 هـ (1567 م) وتم دخولها الفعلي والنهائي خلال القرن 18 وبالتحديد في سنة 1156 هـ (=1743 - 1744 م) (379). ولما كانت المؤسسة من المؤسسات المخزنية اعتمد متوليها على «العرب» حلفاء السلطة العثمانية ولم يعتمد على «البربر» المحليين المخالفين لها. وأصبح يسود التناقض بين يهود جربة و «العرب» من «الغرباء خلال مرحلة القياد في الجزيرة خاصة بعد ان كان يسود الوفاق بين
245