إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٤٧

التي

نتناولها بالدرس وكان لليهود في الغريبة بركة تشبه بركة المذهب الإباضي بالنسبة إلى الفئات الأباضية (387) وكسبت الغريبة من القوة ما كسبته زاوية ابراهيم الجمني بالنسبة إلى الفئات السنية المالكية. ولم تعد الغريبة بفضل ما كسبته من بركة معلما حكرا على اليهود فقط بل أصبحت «مفتوحة» و «متفتحة» على «العرب والمسلمين وجميع المؤمنين دون اعتبار الاختلافات الدينية والمذهبية وأصبحت مركزا يحج إليه اليهود في الداخل ويهود «الشتات» (إلى اليوم) وغيرهم.

ولم تكن إذن المسألة العقارية في جربة خلال العهد التركي تهم فئة اجتماعية دون أخرى أو تعني طرفا دون آخر بل اهتم بها المخزن كما اهتمت بها الفئات المحلية من إباضية ويهود. وحاول كل طرف اقتطاع حقه في ملكية أرض الجزيرة جزئيا أو كليا. واتخذ اليهود مثل العثمانيين دعائم دينية لتبرير حقهم في الملكية العقارية واتخذ الإباضية في جربة على العكس من ذلك دعائم اقتصادية واجتماعية في الأساس لتبرير الحق ذاته. وكانت وضعية اليهود خلال الفترة التي تهمنا وضعية واضحة ومعقدة في نفس الوقت: كانت واضحة لأن جميع الفئات المعتنقة للإسلام اعتبرتهم كفارا من أهل الذمة وكانت معقدة: أولا لأن الفئات الإباضية كانت تربطهم بيهود جربة عقود دينية وتاريخية إلى حد انتصاب مؤسسة القايد في الجزيرة فكان مشايخ الإباضية يفرضون سلطتهم الضريبية على اليهود بموجب التفويض الذي كانوا يحصلون عليه من قبل المخزن العثماني وهي سلطة لا تشمل اليهود وحدهم. ولئن حافظ الإباضية على العقود التاريخية بينهم وبين أقلية اليهود بعد ذلك التاريخ فإنهم فقدوا سلطتهم الضريبية عليهم. وثانيا وبداية من انتصاب القايد في جربة تركز تناقض اليهود مع «العرب» خاصة الذين كانت السلطة المركزية تعتمد عليهم والذين كان هدفهم الاستحواذ على أراضي

اليهود لذلك وجدوا في سياسة البايليك الحسيني ما يدعم تلك الإمكانات. ولم يكن تناقض اليهود مع غيرهم من الفئات الإجتماعية الموجودة بجربة في العهد التركي تناقضا دينيا بقدر ما كان سياسيا ولم يتوفر لليهود ما كان يتوفر للعثمانيين من قوة لفرض حقهم في ملكية الأرض عن طريق الموروث الديني والتاريخي للحفصيين وغيرهم وعن طريق ما يجسده من قوة إدارية وعسكرية ولم يكن لهم من ناحية أخرى ما كان للإباضية من حضور اقتصادي تكفله الكثافة

247