إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣(2) نظرة الإباضية للبناء الاجتماعي:
تمثل وثائق المجموعة الإباضية الوهبية بالنسبة إلى هذه الفترة أيضا مصدر معلوماتنا الوحيدة في توضيح المكانة التي خصت بها الوهبية كل فئة من الفئات الأخرى المكونة للمجمتع في جربة خلال العصر الحديث. ويهمنا أن ندرس مكانة كل فئة على حدة مقارنة بمكانة الوهبية الذاتية ضمن سلم القيم الاجتماعي الذي تضمنته المنظومة الفكرية والذي كانت الإباضية الوهبية تروج له ونتساءل فيما تمثلت في نهاية الأمر رؤية الإباضية الوهبية في جربة لسكان الجزيرة خلال الفترة العثمانية؟
(أ) الإباضية الوهبية والإباضية المستاوة:
اشتركت الفئات الاجتماعية التي تقطن داخل جربة خلال العهد العثماني في الانتساب إلى الإباضية وكانت الفئات المالكية تعترف لها بذلك فتطلق عليها لفظة «خوامس» أو «خومس» (74).
لا نريد أن نتناول بالدرس تاريخ الإباضية (75). لكننا نلاحظ أن أهل جربة حافظوا خلال العهد العثماني على انتسابهم إلى الإباضية التي اعتنقتها القبائل البربرية في منطقة الشمال الإفريقي عن طريق حملة العلم» (أو «نقلة العلم») الذين وفدوا عليها من البصرة خلال القرن 2 هـ / 8 م (76). وكان لذلك التفكير الإباضي جذور دينية تمثلت في محافظة أهل جربة على المدرسة الفقهية التي نشأت في البصرة منذ منتصف القرن 1 هـ / 7 م (77). وجذور سياسية تمثلت في مشاركة أهل الجزيرة في القوّة السياسية الضاربة ضد السلطة المركزية سواء بالنسبة إلى الدولة الأموية بدمشق أو الدولة العباسية في بغداد فساندوا قيام حكومة عبد الرحمن بن رستم في سنة 160 أو 162 هـ. وكان أبو مسور اليهراسني واليا لها في جربة (78). واعتبرت القوى الموالية للسلطة المالكية الإباضية بشكل عام من صنف «الخوارج» وهو الأمر الذي يرفضه إباضية جربة وغيرهم من الإباضية إلى اليوم. واختلفت الوحدات السياسية الإباضية لأهل جربة خلال الفترة التي تهمّنا (وقبلها) في الانتساب المذهبي والسياسي من خلال الانتماء إلى الإباضية الوهبية والإباضية المستاوة.
323