إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥عنه
إلى تنكر ابن فندين لطاعة الإمام عبد الوهاب الرستمي في تاهرت وخروجه. (85). ولم تكن بين الإباضية الوهبية والإباضية المستاوة من الناحية الدينية المذهبية إلا فروقا قليلة طفيفة لا تعدو بعض الفروع والهوامش بعيدة عن الأصول والأسس (86). ويدلّ هذا المستوى من الخلاف بين الفرقتين أن الصراع بينهما لم يكن صراعا دينيا بل كان صراعا سياسيا في الأساس. فلقد سعت الوهبية أن تظهر بمظهر الأجدر لتولّي القيادة السياسية والاجتماعية لجزيرة جربة خلال الفترة التي تهمنا على حساب المجموعة الإباضية المستاوة. ومكن ضعف مستاوة الوهبية من أن تولّي نفسها المكانة الأجدر للقيام بذلك الدور. فلقد كانت المنطقة الشرقية والجنوبية الشرقية من الجزيرة أقل ملاءمة من الناحية الطبيعية والبشرية بالنسبة إلى المنطقة الغربية والشمالية الغربية وتجلى ذلك أيضا في تفاوت القدرات الاقتصادية والدفوعيّة الجبائية لكل من الفريقين.
وكان أهل جربة القاطنين في الجهة الغربية والشمالية يبررون تفوقهم المادي والسياسي بالانتساب الفكري للمذهب الإباضي الوهبي فخصوا أنفسهم بقمة الهرم على مستوى سلم القيم الاجتماعي وخصوا أهل مستاوة بمكانة دنيا بالنسبة إليهم لكنها تفوق مكانة جميع الفئات الأخرى المكوّنة للمجتمع في جربة خلال
العهد التركي.
ب الإباضية الوهبية واليهود:
وتضمنت متون الإخباريين المحليين بجربة في العصر الحديث إشارات وأخبارا قليلة تخص أقلية اليهود وكنا أشرنا في السابق إلى أن تلك الاقلية لم يكن لها الوزن السياسي الكافي مما جعل الإباضية لا تأخذ أخبارها بعين الاعتبار ولا تدرجها كطرف لإخبار «المركز». وقد نفسّر ظاهرة قلة الأخبار المتعلقة بأقلية اليهود أيضا بما عرفته علاقتهم مع الإباضية الوهبية من انسجام ففرض طرف هيمنته على الآخر فيما تقبل الطرف الثاني ما فرضه الطرف الأوّل عليه طبقا لموازين القوى. ولم تنفرد المجموعة الإباضية عامة والوهبية خاصة في جربة بالتعايش مع أقلية اليهود فلقد وجدت أقليات غير مسلمة (خاصة يهودية) تعيش في مواطن إباضية أخرى من الشمال الإفريقي فكانت أقلية موسوية تعيش في قرى جبل نفوسة خلال العهد الحفصي أو قبل واشتغل أفرادها ببعض الحرف والتجارة (87) وقد لا تكون المكانة التي خصّتها الوهبية في جربة لليهود خاصة بها
325