إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٣١الغرباء يطلق فقط على الفقراء (القلالة» و «المحاويج) وحتى أصيلي المدينة منهم وبالتالي فالكلمة هنا أصبحت تصنيفا طبقيًا واجتماعيا أكثر منه جغرافيا وعرقيا» (108).
ويميز محمد العزيز بن عاشور في دراسة حول مجتمع مدينة تونس في النصف الثاني من القرن 19 بين التونسي وهو الذي يكون «أصله» من المدينة وبقية السكان المسلمين في الحاضرة فيطلق على الواحد منهم لفظة «براني) وتعني الذي يفد على المدينة من دواخل البلاد مثلما يطلق لفظة «الأجانب على الأروبيين القاطنين بالحاضرة. وكان قايد البرانية» مكلفا برعايا الباي المسلمين
من غير أهل تونس المقيمين في المدينة وضواحيها (109).
وجب
الاقتداء
أما فيما يخص جزيرة جربة فتطلق لفظة الغرباء» على أهل السنة المقيمين في الجزيرة وهم من العرب المالكية والأتراك الحنفية». لأنهم كانوا يتبعون النظام السياسي والاجتماعي القائم في طرابلس ثم في تونس بداية من مطلع القرن 17 وكانوا لا يتبعون نتيجة لذلك النظام السياسي والاجتماعي المحلي. ولا تطلق اللفظة نفسها على الذين يفدون على الجزيرة من المناطق الإباضية الأخرى في الشمال الإفريقي (110). فلقد اعتبر الإباضية الوافدون على الجزيرة المجموعة الوهبية مثالا به واندمجوا مع أهلها تماما مثلما فعل بعض «البرانية» في الحاضرة مع فئة «البلدية». وأما أهل السنة («الغرباء») الوافدون على الجزيرة فلم يعتبروا الإباضية قدوة لهم بل عملوا على أن ينسلخوا من نظامهم. وكان إباضية جربة - على خلاف بلدية تونس ـ لا يسعون إلى الثأر من الاتراك المهيمنين بطريقة الحكايات والخرافات (111) بل سعوا إلى الثار عن طريق الإقصاء السياسي والاجتماعي وتعامل أهل جربة «الشتات» في المناطق التي قصدوها واستقروا فيها وفقا لنفس المنطق وتوخوا نفس المنهج فرفضوا الانتساب إلى أهل المدن التي أقاموا فيها وبقوا مميزين وملزمين بالانتساب إلى الإباضية حتى القرن 18 ثم أصبحوا ينتسبون إلى أهل جربة» في عهد القياد وخاصة في القرن 19 وعمل بهذا المبدإ التجار والحرفيون كما عمل به الأثرياء والأقل ثراء سواء في الإيالة أو في الإمبراطورية العثمانية وحتى العائلات الإباضية الجربية التي أدمجت في بلدية تونس مثل بوثور الجربي فإنها تعتبر من الحالات الشاذة (113). وأطلق الإباضية في جربة نتيجة لتلك الاعتبارات اسم جامع الغرباء في السوق الكبير على أحد مساجد المالكية لما خرج من
(112)
331